أنا كنت من النوع اللي ما يحكي، ساكت دايمًا، ما كنت أحب أشرح ولا أبرر، من وانا صغير الكل كان يقول عني غامض، بس الحقيقة إني ما كنت غامض، كنت مجروح، كل يوم عن يوم كنت أفقد ثقة جديدة، بإنسان، بكلمة، بحضن، ببيت، وحتى بنفسي، بس ما كنت أظهر هالشي، كنت ألبس وجهي اللي متعود عليه الناس، وأضحك قد ما أقدر، وأهزر، وأعطيهم الصورة اللي حابين يشوفوها، واللي أنا ما كنت أطيقها، بس مجبور، عشان أمي ما تزعل، عشان أبوي ما يقول عني متغير، عشان أخواني ما ياخدوا عني فكرة إني ضايع، مع إني كنت ضايع من سنين.
أنا من أهل الجنوب، وبتعرف إحنا كيف تربينا، عيب تبكي، عيب تشكي، عيب تقول موجوع، كل شي جواتك لازم تكتّمه، كل شي، حتى لو كنت بتنزف، وحتى لو كل دقيقة بتمر تحس قلبك عم يطيح منك، ما حدا بيهتم، ولا حدا فاضي يسمع، الكل بدو يشوفك واقف، قوي، ثابت، بس ولا حد بيعرف إنك ماشي على حافة، خطوة وبتوقع.
تربّيت ببيت فيه الكلمة الأقسى هي اللي بتمشي، ما كان في شي اسمه "تحب شو"، أو "شو نفسك تعمل"، كانوا يحددوا كل شي، حتى طريقة ضحكتي كانوا يعاتبوني عليها، "اضحك زي الناس"، "لا ترفع صوتك"، "ليش راسك دايمًا لتحت؟"، وأنا كنت أبلع الكلام، وأكمّل، كل يوم بقلّ صوتي أكثر، كل يوم بقلّ نظراتي أكتر، لحد ما صرت كأني ظل، موجود، بس ماله ملامح.
أول مره حسّيت فيها إن قلبي ينبض صح، لما كنت بثاني ثانوي، كانت معلمة العربي، ست كبيرة بالعمر، بس كانت بتعاملنا كأبناء، كانت إذا شافت حدا ساكت أو تعبان تسأل، وكانت إذا شافت الدمع بعين حدا، تطنّش الكل وتقعد معه، وأنا أول مره بحياتي حسيت إن حد سألني "مالك؟" وهو قاصد، مو بس جملة تمر، كنت أحاول أهرب منها، بس هي كانت تعرف توصلني، وبيوم من الأيام، بدون ما أحس، فتحت لها قلبي، حكيت كل شي، حكتلي كلمة مستحيل أنساها: "اللي جواتك مش غلط، اللي غلط إنك تكمّل ساكت".
بعد هالكلمة، بدأت أكتب، أول مرة بحياتي بمسك ورقة وأكتب، مو مواضيع إنشاء، ولا واجبات مدرسية، كنت أكتب اللي جواتي، أكتب كل اللي ما قدرت أقوله من سنين، وكل ليلة كنت أكتب، وأخبي الورق تحت مخدتي، أو بكتاب ما حدا يفتحه، كان عندي عالم خاص، كل شي فيه حقيقي، وكل شي فيه لي، لحد ما أجى يوم وأخوي الصغير لقى الأوراق، وراح أعطاهم لأبوي.
اللي صار بعدها كان صدمة، أبوي مزّقهم قدامي، وحكى كلام ما بنساه طول عمري، "ما نربي رجال يكتبوا تفاهات"، "عيب"، "استحي عحالَك"، وما كنت قادر أرد، لا لأنو معه حق، بل لأني اتكسرت، مش بس هو مزّق الأوراق، هو مزّقني أنا، حسّيت كأنو سحب مني الشي الوحيد اللي كنت أتنفّس فيه.
من بعدها ما عاد كتبت، ولا عاد حسّيت إني أستحق شي، درست التخصص اللي بدهم إياه، تخرجت، اشتغلت، واشتغلت، واشتغلت، بس ما عشت، كان جسمي بالمكان، بس روحي بمكان تاني، حتى أصحابي لاحظوا، صرت ما أرد، وما أضحك، وما أطلع، بس موجود عالهامش، مثل خيال مرا مكسورة، تشوفه، بس ما تلمسه.
تزوجت، مش لأني كنت جاهز، ولا لأني حبيت، بس لأنو لازم، الكل حكى، "كبرت"، "لازم تستقر"، وأنا استقريت، بس مو بالحب، استقريت بالحزن، جبت أول ولد، فرحت فيه، بس بنفس الوقت كنت خائف، خائف أطلّع فيه وأشوف وجهي، أو أسوّي معه نفس اللي سوّوه فيني، كنت أحضنه وأنا أبكي، ولما يكبر شوي ويبكي، أضمّه وأقول له "ابكي قد ما بدك"، لأنو أنا ما سمحوا لي أبكي، وبدي هو يكون حر.
مرتي ما كانت تفهمني، حاولت تحبني، حاولت تفهم سكوتي، بس ما قدرت، وأنا ما كنت أقدر أشرح، لأنو ما كنت أعرف أشرح، أنا كنت تعلّمت من زمان كيف أكون جدار، صلب من برّا، بس متآكل من جوّا، وهي تعبت، وأنا كمان، لدرجة إنو يوم من الأيام حكتلي: "أنت معك، بس مش معي"، وكنت بدي أصرخ وأقلّها "أنا مش معي كمان"، بس سكت، مثل العادة.
السنين مرّت، وأنا كبرت، بس جوّاي لسا طفل خايف، طفل ما نسمع، ما نحب، ما تحضن، طفل كان يكتب رسائل للعتمة، ويحكي للسكوت، طفل ما عمره حس بالأمان، ولا شعر إنو مو غلط.
هلأ صار عمري ٤١، وعندي ولدين، وبشتغل، وباكل، وبنام، وبصحى، بس كل يوم وأنا عم أمشي بالشوارع أو بسيارتي، بمرّ من جمب أي مكتبة وبتطلع بعيوني دمعة، لأنو بتذكّر إنو كان ممكن أكون كاتب، أو شاعر، أو حتى مجرّد إنسان بيحكي، بس انكتمت، وخاف، وانحكم عليه بالصمت الأبدي.
وهلأ، وأنا بكتب هالاعتراف، ما بعرف ليش بكتب، بس يمكن لأنو قلبي تعب، ويمكن لأنو الورق صار مرة تانية ملجأي، ويمكن لأنو ما ضل غير هالطريقة أقول فيها إني كنت هون، إني كنت إنسان، وإني كنت أستحق... بس ما حدا أعطاني فرصة أكون.
مشاهدات349 تعليقات19 تفاعلات1

التعليقات

مجهول تعليق مجهول
القصه دي مؤثره جدًا، حسيت كأنه مر علىّ كأنه أنا، نحنا أحياناً بنخبي مشاعرنا وندور على فرصة نفضفض، بس للأسف دايمًا بيكون في عواقب وتنكيد للأوجاع، أهم شيء نعرف إن التعبير عن النفس أكثر من ضروري عشان نلاقي السلام الداخلي
مجهول تعليق مجهول
صحيح اللي بيحكيه ده بيلمس القلب، والناس اللي بتصمت دايمًا هي اللي عندها أكبر ألم، بس لازم نعرف إن الكلام والتعبير عن اللي جوانا هو بداية الشفاء، وما ننهزمش من المجتمع اللي بيكبر جراحنا
مجهول تعليق مجهول
يا رجل، حكايتك تذكرني بماضي كنت عايش فيه، زمن أبوي كان يربينا بطريقة قاسية، بس دلوقتي بقولك، الإفصاح عن المشاعر هو الخطوة الأولى للحرية، وما تسيبش أوجاعك تسيطر عليك، حاول تكتب تاني، يمكن ترجع تاني لحلمك بالحياة
مجهول تعليق مجهول
حلو إنك قدرت تفتح قلبك، أحياناً الصمت بيكون أصعب من الكلام، وأصحابك اللي لاحظوا تغيّر بس ما سألوا، هم كمان كانوا محتاجين يسمعوا منك، فكر في سنة جديدة تعيد فيها نفسك من جديد ولا تدي اليأس مكان
مجهول تعليق مجهول
تكلمت عن جرح كبير، بس برأيي التعبير ده دليل على إنك لسه على قيد الحياة، حاول تلاقي ناس تريح قلبك وتعتني بيك، الدنيا مش كلها شر، والأمل دايمًا موجود
مجهول تعليق مجهول
قصتك عميقة، وغريبة إنها تتكرر مع ناس كثيرين، إحساسك بالوحدة مأساوي، بس حاول تلاقي لنفسك فرصة تانية، مو لازم الصمت يكون نهاية، دايمًا في فرصة للتغيير ولو ببطء
مجهول تعليق مجهول
اللي حصل وطلع للعلنيّة ده يمكن يكون بداية لصلح نفسك، لازم تطلع من قبر الصمت وتبدأ تتكلم، مش مع الناس بس، مع طبيب، مع حد يهمه أمرك، يوم تقدر تفتح قلبك هتلاقي النور يتلاعب في دربك
مجهول تعليق مجهول
يا رجل، زى ما قلت، الطفولة دي مرعبة، كانت عايزة شوية حب واحتواء، بس مساكين، دول كتير منهم بيتعبوا بالصمت ده، نصيحتي ليك، جرب تكتب تاني، عشان تلاقي نفسك من غير خوف أو جلد زاد
مجهول تعليق مجهول
يا سلام على الروح اللي بتتحمل أكتر من طاقتها، انت عايش عالسطح، بس جواك بحر عميق، حاول تفتح باب لداخل قلبك، وتلاقي حد يسمعك، أنصحك تبتدي تلاقي حالك من تاني، مش لازم تسيب الألم يسود على حياتك
مجهول تعليق مجهول
يا عمي، الحكي ده يوجع القلب، بس يا سلام على القوة اللي عندك لما تفتح قلبك، ما تسيبش الصمت يسيطر، حاول تدي لنفسك فرصة تانية وتفتّح حوار مع نفسك، الدنيا لسه فيها خير كتير
مجهول تعليق مجهول
يا صاحبي، القصه دي مأساوية، بس لازم تفكر إن التعبير عن الحب مش ضعف، هو الشجاعة الحقيقية، حابة أقولك إنك تستحق تدي لنفسك فرصة تانية عشان تلاقي الراحة اللي نفسك فيها، ومش لازم تسيب الجراح تكبر
مجهول تعليق مجهول
الواقعة دي مؤثرة جدًا، وكل الناس اللي بتعاني بصمت، لازم نعرف إن الصمت مش حل، وأحياناً الناس اللي حواليك محتاجة تسمع منك، وتعرف إنك عايش، وإلا هتفضل دايمًا حبيس جراحك، حاول تبرّئ نفسك وتبدأ من جديد
مجهول تعليق مجهول
يا سلام على قوة استيعابك وتحملك كل ده، بس لازم تعرف إنك مش لوحدك، في ناس كتير عايزة تسمعك وتهتم بيك، انت لازم تحكي وتخرج اللي جواك، عشان تلاقي نفسك تاني وتعيش حياة اللي تستحقها
مجهول تعليق مجهول
يعني يا أخي، الحكايه دي بتخليني أفكر إن كل شخص عنده حاجه يخبيها، لكن المهم يكون عنده الجرأة يطلعها، مش عيب إنك تبوح، العيب إنك تفضل ساكت وانشالله يخف وجعك مع الزمن
مجهول تعليق مجهول
يا جبل، حزنك ده معبر عن ك تمثال، بس لازم تتعلم تفضفض وتتكلم عشان تتنفس، الحياة قصيرة والوجع ده عابر، حاول تفتح قلبك، يمكن تلاقى الحل عند حد يقدر يسمعك بصدق
مجهول تعليق مجهول
تكلمت عن جروح كبيرة، بس برأيي كل واحد فينا عايش جراح من زمن، المهم نعرف نواجهها ونطلع منها أحياء، وما نخليش الصمت يقتل إحساسنا بالحياة من تاني، حاول تذكر دايمًا إنك تقدر تتغير للأفضل
مجهول تعليق مجهول
حكايتك الله يهديك، بتفتح جراح قديمه، بس يا ريت تجرب تكتب تاني، مش لازم مين يحاول يفهمك، المهم إنك تتكلم مع نفسك وتلاقي راحة، الإنسان عايش عشان ينبض، مش عشان يختنق في صمته
مجهول تعليق مجهول
القصّه دي تذكّرني بأيام كانت أوجاعنا فيها كتيره، بس لازم نعرف إن البدايه دايمًا صعبه، وخطوة واحده من الشجاعة تقدر تفتح لنا باب جديد، فكر فيها، واستغلها عشان تخرج من الظلام اللي بتحبس نفسك فيه
مجهول تعليق مجهول
في النهاية، كل واحد منّا محتاج يسمعه، طويل عمره، حتى لو كان في صمت، تذكر دايمًا إن الصراحة والجرأة على التعبير هما اللي يريّحوا القلب والروح، حاول تلاقي لنفسك حد يسمعك، ويمكن تلاقي في دا حب نفسك تاني
تعليقك سيظهر لك فورًا، وسيظهر للآخرين بعد المراجعة.