يجب أن يحتوي النص على نسبة 60 على الأقل من الحروف العربية
اعتراف #ar_confessions_675
اشتغلت سنين في شغلانة قذرة محدش بيحب يعترف بيها قدّام حد، أنا كنت “صانع ترند” حرفيًا، مش اللي بيطلع صدفة… لأ اللي بيتطبخ ويتسخن ويتقدّم للناس في طبق لامع، كنت بشتغل تحت مسمّى تسويق وسمعة رقمية، بس الحقيقة إننا كنا بنبيع الوهم والخوف والفضيحة زي ما بتتباع السجاير السايبة، أول ما دخلت كنت فاكرها شطارة وذكاء وسوق، لحد ما بقيت أشوف بعيني إزاي كلمة واحدة على السوشيال تقلب بيت وتخرب جواز وتكسّر بني ادم، وإزاي صورة متقصوصة بتطلع واحد من شغله وتخلّي أمه تعيط من العار، وإحنا قاعدين ورا شاشاتنا بنضحك ونتريق ونقول “العميل مبسوط”… القصة اللي هتخلي ناس كتير تدوّر عليها اونلاين مش عشان أنا جامد، لا عشان أنا كنت وسخ: في مرّة جالنا عميل كبير، مش هقول مين ولا منصبه ايه، بس هو من النوع اللي عنده استعداد يدفع أي رقم عشان يدفن حكاية، كان في أزمة طالعة حوالين مشروع ضخم، ناس بتسأل فلوس راحت فين وليه الأسعار ولعت وليه في ناس اتشالت وناس اتعيّنت من غير حق، وكان لازم يتعمل “تشتيت” سريع، احنا في المكتب كنا بنسميها كده: قنبلة دخان، بدل ما الناس تبص على الورق، نخليهم يبصّوا على فضيحة، جابولنا ملف شخص مشهور جدًا على السوشيال، واحد عامل نفسه شيخ خفيف الدم وبيتكلم عن الأخلاق والستر وبيحط كلام مدهب على صورته، كل الناس بتحبه وبتعمله شير، المطلوب كان بسيط على لسان العميل وبشع في نتيجته: “نزّلوه من فوق” وبأسرع وقت، قعدنا يومين نجمع أي حاجة قديمة عنه، سكرينات، فيديوهات لايف، صور من حفلة، تعليقات متسابة من سنين، وكل ده كان عادي لحد ما المدير قال الجملة اللي لسه بتدوّي في ودني: “مش لازم الحقيقة… المهم القصة تبان حقيقية” ومن هنا ابتدى المستنقع، اتصنعت حكاية كاملة بممثلين كده زي المسرح بس على النت: حساب بنت باسم كيوت وصورة مش واضحة، وحساب صاحبتها، وحساب واحد “قريب” بيعيط على حقه، وبدأنا ننزل تلميحات من غير ما نقول اتهام مباشر عشان قانونيًا نبقى في السليم، تلميحات بس بتشمّع الدماغ، “أنا مش هقول اسمه بس هو مشهور وبيتكلم في الدين”، “اتخدعنا فيه”، “الستر ليه حدود”، وبعدها بساعة نطلع بوستات من حسابات تانية كأنها ناس عادية “هو ده فلان؟” “لا مستحيل” “ده كان فين من زمان”، وبعدين نرمي سطرين من سكرين شوت متقصوصة قص محترف يخلي أي حد يفتكر أسوأ حاجة، الناس بطبيعتها بتحب تكمّل الصورة القذرة في دماغها، واحنا كنا بنستغل ده، في نفس الليلة اتعمل هاشتاج، مش طبيعي إنه يطلع كده لوحده، بس أنا كنت جزء من ماكينة بتزقّه، حسابات كتير، مجموعات، صفحات ميمز، ناس بتاخد فلوس مقابل بوست، وناس تانية بتاخد فلوس مقابل سكوت، وفي وسط ده كله كان لازم نرمي “دليل” يخلي الترند يثبت، فعملنا اللي كنت طول عمري بقول مستحيل أعمله: فبركنا فيديو، مش فيديو فاضح زي ما دماغ الناس هتروح، لأ فيديو “مُحرج” متقصوص ومتخيّط يبان إنه بيقول حاجة وسخة عن حد ضعيف، حرفين اتبدّلوا بالصوت، ولحظة اتشالت، ولقطة اتكررت، والنتيجة؟ الراجل اتدبح على العلن، شغله وقف، حملته الإعلانية اتلغت، أصدقاءه اتبرّوا منه، ناس كانت بتبعتله قلوب بقت تبعتله شتيمة، وأمه اتصورت وهي خارجة من بيتها بتعيط والناس بتهمس حواليها، وأنا يومها كنت قاعد قدّام شاشة الكمبيوتر بحس إني كسبت جولة، مش بني ادم… جولة، وبعدها بأسبوع، اللي كان العميل عايزه حصل: الناس نسيت المشروع والفلوس والأسئلة، وبقت تحكي عن “الفضيحة” اللي إحنا عملناها، والبلد كلها اتشغلت في موضوع ملهوش لازمة غير إنه يغطي على الحقيقة، والأوسخ إننا استمرّينا، كل ما يطلع سؤال عن فساد نطلع قصة عن خيانة، كل ما الناس تسأل عن أسعار نطلع قصة عن “مشهور اتقفش”، وإحنا اللي بنختار المشهور ده مين، وكأننا إلهة صغيرة ماسكة زرار السقوط… بس الصدمة اللي قلبتني مش إننا وحشين، أنا عارف إننا وحشين، الصدمة إن المجتمع نفسه كان بيطلب ده، في كل حملة كنا نلاقي ناس بتقول “نفسنا نفضح فلان” “هاتو الدليل” “اديله على دماغه” “ده يستاهل” من غير ما حد يسأل دقيقة: طب لو كدب؟ طب لو مفبرك؟ طب لو حد بيموت من القهر؟ محدش يفرق معاه، الناس بتحب العنف وهو متغلف في كلمة “حق”، وأنا كنت ببيع لهم العنف ده في كيس شيك، وكنت بتغذى على التفاعل والارقام، وبقيت أعرف أقرأ البشر من كومنتاتهم، أعرف مين اللي عنده عقدة ومين اللي عنده غيرة ومين اللي بيكره نفسه فبيكره غيره، وأستغلهم زي ما أستغل البنزين في النار، وعلى فكرة إحنا ما كناش بس بنوقع ناس، إحنا كنا كمان بنطلع ناس تانية، نفس المكتب اللي يدمّر سمعتك النهارده ممكن يلمّعك بكرة لو دفعت، مرة عملنا “قصة ملهمة” لواحد كان معروف بين الناس إنه نصاب، حولناه في أسبوع لـ “قدوة” وجبنا له شهادات وهمية وصور تبرعات وترتيبنا لقاءات، والناس صدّقت لأنهم عايزين يصدقوا، وده اللي يوجع… إنك تكتشف إن الحقيقة ملهاش قيمة قد اللقطة، وإن اللي بيصرخ أعلى هو اللي بيكسب، وبعد سنين من القرف ده، أنا اللي اتلطّخت، بقيت بخاف من المراية، بخاف من تليفوني نفسه، كل إشعار يحسسني إني بسمع صريخ حد اتأذى بسببي، ومع ذلك كنت بكمل، عشان الفلوس وعشان الإدمان وعشان الإحساس إني “فاهم اللعبة”، لحد ما في مرة حصل اللي عمري ما أنساه: الشخص المشهور اللي وقعناه اتبعتلي منه رسالة من رقم مش متسجل، رسالة قصيرة بس كسرتني: “أنا عارف إن في ناس ورا اللي حصل، مش طالب منك تقول مين، بس قولّي… ليه؟” مفيهاش تهديد ولا شتيمة ولا دموع، فيها سؤال بريء زي الطعنة، وأنا قعدت ساعة بحاول أكتب رد وبمسح، لأن الحقيقة إن مفيش “ليه” محترم، في “عشان فلوس” و”عشان حد أقوى طلب” و”عشان احنا قدرنا”، وده سبب تافه قدام خراب عمر، أنا ما رديتش، جبان زي ما أنا، بس من ساعتها وأنا عارف إني مش بس بشتغل شغلانة غلط، أنا كنت آلة بتساعد ناس أقوى يخنقوا الحقيقة ويحطوا مكانها قصص تشبع فضول الناس، واللي يوجع أكتر إن في شغلنا ده كان في حاجات أبشع من اللي قلتها، تسريبات ملفقة، محادثات متفبركة، صور متعدّلة، شهادات زور من حسابات بتضحك، وكل ده تحت شعار “ده شغل”، والنهارده أنا عايش بوشّين، قدام الناس بقول أنا بشتغل تسويق وميديا، وجوايا عارف إني كنت ببيع سمعة البشر بالقطعة، وفي ناس لحد دلوقتي لما بتشوف ترند وبتقول “يااه شوف اللي حصل” أنا ببقى عارف إن اللي حصل اتطبخ في مكتب شبه مكتبي، بإيد حد شبه ايدي، وأن فيه حد تاني في آخر القصة بيحاول يلمّ اللي اتكسر ومش عارف، وأنا مهما حاولت أعمل نفسي نضيف… ريحة القرف لسه ماسكاني ومش راضية تروح
ردود الفعل
المزيد
بحث + اختصارات سريعة
ابحث في الموقع