يجب أن يحتوي النص على نسبة 60 على الأقل من الحروف العربية
اعتراف #ar_confessions_676
طلعت من دار الرعاية وانا حرفيًا معرفش ليا حد ولا حتى اسم عيلة اتسند عليه، اتربّيت على مواعيد وجرس ونظرات شفقة ووعظ كتير، ولما باب الدار اتقفل ورايا لقيت نفسي برا لوحدي، شنطة هدوم خفيفة وورق مش مفهوم، ووشوش في الشارع كلها بتبصلك كأنك لقمة سايبة، أول يومين نمت على كرسي قدام محطة وكنت بضحك على نفسي وابقى فاكرة انو الموضوع مؤقت، بس الجوع لما بيدق على بطنك بيكسر الكرامة حتت، جربت اشتغل في كافيه قالولي “مطلوب خبرة”، جربت محل لبس قالولي “وشك مش مريح للزباين”، جربت امسح سلالم عمارات اتطردت عشان “مش عايزين شحاته عندنا”، وكل مرة كنت بحس اني بتقلّص، كأن الدنيا بتزنقني في حيطة ومفيش باب يفتح، في ست قابلتني وقالتلي تعالى اقعدي معانا شوية، كلامها كان ناعم زي العسل بس ريحته مسمومة، دخلتني شقة شكلها نضيف من بره بس من جوه كان فيها سكون غريب، بنات كتير قاعدين ساكتين، ومكياج تقيل بيغطي كدمات مش باينة غير لما تقرب، في الاول قالولي “هتشتغلي ضيافة” وانا كنت عايزة اصدق اي حاجه، بعدين فهمت ان الضيافة هنا معناها ان جسمك يبقى هو الشغل، وانك تبقي رقم في دفتر، وسعر في دماغ واحد ماسك المكان، وانا لحظة الفهم دي حسيت ان روحي وقعت على الارض واتكسرت، حاولت اهرب، بس الهروب محتاج فلوس ومكان تروحيه، وانا ماعنديش غير الشارع اللي بلعني قبل كده، اتقاللي جملة عمري ما هنساها: “الشارع ياكلِك يا بنت، هنا على الاقل هتاكلي”، وانا كرهت نفسي عشان الكلمة دي اقنعتني، اول ليلة قعدت في الحمام اترعش وارجع، مش عشان اللي هيحصل “تفاصيله” لا، عشان احساس اني بقيت شيء بيتباع، وانو مفيش حد هيصدقني لو صرخت، اللي يصدمك بقى مش المكان نفسه، الصدمة في اللي بييجو… ناس شكلها محترم، ريحة برفان غالي، ساعات ييجو بعد ما يخلصو صلاة في مسجد جنبنا، ساعات ييجو من شغلهم وبدلتهم مكوية، ناس بتتكلم عن الشرف وبتشتم البنات اللي زيي وهما لسه بيعدّو الفلوس، واحد فيهم كان بيحكيلي عن مراته “المصونه” وعياله وهو بيبصلي كأني زبالة، واحد تاني كان بيقولي “انتي اختيارك” وانا ضحكت من جوه ضحكة بتعيط، اختيار ايه؟ هو في حد بيختار يبقى من غير اسم ومن غير ظهر؟ انا اتعلمت اسامي كدابة، اتعلمت اضحك في وش اللي بيهينني عشان اللي ماسك المكان مايخصمش، اتعلمت اسكت لما البوليس ييجي ياخد نصيبه ويسيبنا، اتعلمت ازاي البنت تفضل عايشة وهي من جواها ميته، وفي عز كل ده كنت لسه بسمع صوت المشرفة القديمة في الدار وهي بتقولي “ربنا بيحب الصابرين”، وكنت بسأل نفسي: هو الصبر ده بيتقاس بقد ايه ذل؟ انا في ليالي كتير كنت بفتكر اني يمكن لو كنت اعرف امي كانت حضنتني ومنعتني، وبعدين اضحك تاني: هو انا عندي ام اصلا ولا انا طلعت من الهوا؟ في يوم شفت بنت جديدة دخلت، عينها كانت زي عيني اول مرة، وحسيت اني عايزة اصرخ وأقولها اهربي، بس ماعرفتش اقول غير “خدي بالك من نفسك”، ودي جملة تافهه قدام بحر القرف، الغريب اني بقيت اتقن الادوار: قدام البنات انا القوية اللي فاهمة اللعبة، وقدام الزباين انا اللي “مبسوطه”، وقدام نفسي انا خرابة، وفي النص في واحد كان بييجى كتير، مش عشان “بيحبني” لا، عشان كان بيحب يحس انه بيملك حد مالوش حد، كان يقولي “انتي من غيري هتضيعي” وانا كنت عارفة انو بيهددني بحقيقتي، وبقيت اخاف من فكرة اني اتعودت، مش اتعودت على القرف، اتعودت على ان وجودي له تمن، وده اخطر ادمان، انا عارفة ان كلامي جارح وصادم للي بيقرو وبيقولو “تستاهل” او “دي فاجرة”، بس انا عايزاكم تبصو على اول لحظة، لحظة بنت اتحدفت من مكان اتربت فيه واتقالها “يلا انتي خلاص كبرتي”، ومحدش سأل: هتنامي فين؟ هتاكلي ازاي؟ هتحمي نفسك من مين؟ المجتمع اللي بيرفع لافتة الشرف هو نفسة اللي كان بيقفل الباب في وشي، والرجالة اللي بتدّعي الطهر كانت بتدخل من باب تاني وتطلع تنظف ايديها ويكمل يومه ولا كأن في روح اتدهست، انا مش بطلب تعاطف، انا بطلب بس انكم تبطلو تكذبو على نفسكم، لاني انا الكذبة اللي انتو بتحبوها: كذبة “البنت الوحشة” اللي بتشيل عنكم عاركم، الحقيقة اني كنت ضحية وبقيت متهمه، ولو في يوم بطلت وخرجت، هفضل مطارده بكلمة واحد زيك قالها وراح نام في حضن بيته، وانا هنام في حضن ذكرياتي اللي بتلسعني، ولسه كل يوم قبل ما انام ببص في المراية وبسأل: انا مين؟ بنت مين؟ وامتى هحس اني انسانه مش سلعه، ومع كل سؤال بكتشف اني اتسرقت من الدنيا بدري اوي ومحدش هيعترف غيري ان السرقه دي حصلت فعلا واني لحد دلوقتي بدفع تمنها غصب عني ومش لاقيه باب واحد يتفتح من غير ما ياخد حته مني غصبن عني برضو
ردود الفعل
المزيد
بحث + اختصارات سريعة
ابحث في الموقع