يجب أن يحتوي النص على نسبة 60 على الأقل من الحروف العربية
اعتراف #ar_confessions_746
أنا من برا نبين مؤدب ومرتب وولاد الناس يحلفو فيني العشره، ومن جوا عندي وجه ثاني يكرّهني في روحي، لأني عايش سنين نبيع في صورة مزيفة للناس: الشاب العاقل اللي ينصح، اللي يهدّي، اللي يحكي عن المبادئ والستر والاحترام، وفي الحقيقة أنا أكثر واحد استغل هالحكي باش يطلع ملاك قدّامهم، مو لأنّي طيب، لا، لأنّي كنت نستمتع نشوف الناس تعطيني ثقه ما نستحقهاش، ونستمتع أكثر كي نعرف أسرارهم ونقعد نوزنهم بيها من غير ما يحسو، كلمة صغيرة مني نرفع واحد وكلمة ثانية نكسّر واحد، وعمري ما كنت نغلط بالغلطه الكبيرة اللي تفضحني مرّه وحده، ديما أغلط بالغلطات الذكيه اللي ما حد يقدر يمسكها عليا، نخلي كل شي يبان صدفة، وكل شي يبان سوء فهم، وكل شي يبان أني كنت نيتي صافيه، والحقيقه أني كنت نخطط لكل نظرة ولكل سكوت ولكل مجامله باش أضل فوق، فوق ناس أحسن مني وأنظف مني وأصدق مني، وأكثر شي يوجعني أني مو نادم لأني جرحت ناس، أنا نادم لأنّي بديت نحس القناع يتشقق، وبديت نشوف بنظرات البعض أنهم فهمو من أكون فعلًا، وهذا يرعبني أكثر من أي فضيحة، لأني بنيت قيمتي كلها على كيف الناس تشوفني، مو على من أكون، حتى بعلاقاتي كنت نختار بعناية: اللي يعطيني اهتمام، اللي يطبطب على نقصي، اللي يخليني أحس أني مهم، وإذا حسّيت أن الطرف الثاني صار يشوفني على حقيقتي، ننسحب، نقلب بارد، نختفي، أو نرجع دور الضحية ونخليه هو الغلطان، ومرات كنت نتعمّد نقرّب من ناس مكسورين فقط لأنّهم أسهل في السيطرة، يسمعو، يصدقو، يتعلقو، وبعدها نملّ منهم ونحتقرهم بيني وبين روحي لأنهم صدقوني، تخيّلوا القذاره، نحتقر الشخص لأنه وثق فيني، ونحتقر روحي لأني احتجت ثقته باش أحس أني موجود، وفي البيت أمثل دور الإبن الزين، وبين الصحاب دور السند، وبالشغل دور المحترف، وبكل مكان عندي نسخة مختلفة، لدرجة أني ساعات ننسى أنا شكون بلا هالنسخ، شكون أنا لو ما فيش جمهور، لو ما فيش حد يصفق، لو ما فيش حد يمدح، يمكن ولا شي، يمكن فراغ لابس ثياب آدمی، ويمكن هذا سبب عصبيتي من أي إنسان صادق وعفوي، لأن وجوده يفضح التمثيل اللي عايش بيه، يفضح أني محسوب ومصنوع ومركّب قطعة قطعة، وحتى اللطف اللي نبيّنه مرات يكون مجرد استثمار طويل الأمد، معروف بسيط اليوم باش أشتري به مكانه عندك بكرا، مساعدة صغيرة باش تبقى مديونلي معنويًا، كلمة حلوه باش تخف دفاعك قدامي، وبعدها نفوت لداخلك ونجمع اللي نحتاجه من نقاط ضعفك، لا باش أبتزك بشكل مباشر، لا، هذا أسلوب غبي، أنا كنت أستعملها بشكل أنظف وأوسخ في نفس الوقت: أغيّر معاملتي وقت ما أحب، ألمّح لا أصرّح، أخليك تحس بالذنب بلا ما تعرف علاش، وأخليك تتنازل وأنت مقتنع أنك اخترت، وكل هذا وأنا حافظ وجهي النضيف قدّام الناس، والمصيبه أني كنت مقتنع أن الكل يعمل هكي، وأن الفرق الوحيد بيني وبينهم أني أذكى، لكن مع الوقت اكتشفت أن في ناس فعلًا طيبين، وناس فعلًا عندهم ضمير، وناس ينامو من غير ما يراجعو يومهم على شكل خطط ووجوه وتمثيل، وهنا بدأت الكارثة، لأني أول مرّه حسّيت بالقرف الحقيقي من نفسي، مو قرف بطولي من نوع “أنا وحش”، لا، قرف حقير وصامت، قرف واحد يعرف أنه خرّب أجزاء حلوه فيه بيده وما عاد يعرف يرجّعها، وصرت نغار من أي شخص محبوب بطبيعته لأنّي أنا محبوب بالحيله، وصرت نغار من أي شخص يُسامَح تلقائيًا لأنّي أنا لو انكشف ربع اللي بداخلي يمكن الناس كلها تنقلب، وأقسى شي مو أني خفت أخسرهم، أقسى شي أني خفت يطلعو هما صح وأنا طول الوقت كنت مجرد صدى مزخرف لنقصي وحقدي وجوعي للاهتمام، حتى مشاعري مرات أشك فيها، لما أقول “أحب” هل فعلًا نحب؟ أو فقط نحب الإحساس أن أحدهم اختارني؟ لما أزعل على أحد هل أزعل عليه هو، أو أزعل لأن وجوده كان يلمّعني؟ لما أشتاق هل أشتاق له، أو أشتاق لنسختي وأنا معاه؟ تخيّل تعيش وما تعودش واثق حتى من دمعتك، يمكن صدق ويمكن تمثيل تعوّدت عليه لدرجة ولّى جزء منك، وأنا عارف أن في ناس لو قرات هالكلام راح تقول هذا نرجسي، مريض، سام، ويمكن صح، بس التوصيف ما يغيّر شي، اللي يقتلني أني ما عدتش قادر نرجع بريء حتى داخل رأسي، كل موقف صار عندي فيه صوتين: صوت يمثل، وصوت يراقب التمثيل ويضحك باحتقار، ومؤخرًا صرت نتهور أكثر، يمكن لأني تعبت من الحذر، صرت نرمي كلمات جارحه مغلفه بالنصيحه، نكسر خواطر تحت اسم الصراحه، نطفّي فرحة ناس بتعليق صغير فقط لأني أشوف البريق فيهم ويستفزني، وكأني مقتنع بعمق وسخ أن لا أحد يستحق يرتاح إذا أنا من داخلي محروق، أعرف أن هذا اعتراف مقرف، ويمكن أبشع من الخيانة المباشره لأن الخاين معروف، أما اللي زيّي يعيش عمره يسرق ثقة الناس ويشرب احترامهم وهو يضحك عليهم وعى روحه، هذا ما ينشافش بسرعه، وهذا اللي مخليني مرعوب، مو من العقاب، بل من اليوم اللي ينفضح فيه كل شي مرة وحده، يوم يعرف كل واحد أن الذوق والهدوء والاتزان اللي يشوفه فيني كان مرات كثير مجرد غلاف ثقيل فوق روح مليانه غلّ، وأن أكثر شخص كنت نخدعه مو هم، أنا.
ردود الفعل
المزيد
بحث + اختصارات سريعة
ابحث في الموقع