مشكلتي بحياتي كلها صارت كلمة وحدة بتنحكى عني قبل اسمي: بنت المطلّقة، كأني انا اللي طلّقت، كأني انا اللي خربت بيت، كأني انا اللي لازم اتحاسب على قرار ما كان إلي فيه لا يد ولا صوت ولا اختيار، أمي تطلقت بعد سنين تعب وقهر وسكوت وناس بتشوف بس النتيجة وما بتسأل شو صار بين الجدران، وأنا كبرت وأنا بحاول أكون بنت محترمة وهادية وما أعمل ولا غلطة، مش عشان حالي وبس، عشان ما حد يلاقي حجة يحكي: شايفين؟ بنت مطلقة، بس اكتشفت انه مهما حاولت أكون مرتبة ومحترمة ومتعلمة وواعية وبنت ناس، في ناس أول ما يعرفوا انو أمي مطلقة بتتغير عيونهم، نفس الناس اللي كانوا معجبين فيني وبأخلاقي وبحكوا عني كلام حلو، فجأة بصيروا يسألوا أسئلة كأنهم بيفتشوا في ملف جريمة، ليش تطلقت أمك؟ أبوك وين؟ عايشة مع مين؟ علاقتك بأبوك كيف؟ أمك بتطلع وبتفوت؟ مين بيربيكي؟ وكأن الأم المطلقة ما بتعرف تربي، وكأن البيت اللي فيه أب ظالم أو أب غايب بس موجود بالاسم أحسن من بيت أم حاولت تحمينا وتضل واقفة، أكتر اشي بيكسرني موضوع الخطبة، بيجوا ناس وبيسمعوا عني وبيكون كل اشي تمام، وبعدها بس يعرفوا عن أمي، فجأة بتطلع حجج باردة: النصيب، ما ارتحنا، بدنا نفكر، الولد استخار، العيلة ما وافقت، وانا صرت أفهمها قبل ما تنحكى، صرت أعرف من نبرة الصوت إنو القصة خلصت، صرت أبتسم قدام أمي وأحكيلها عادي نصيب، وبالليل أخبي وجهي بالمخدة وأبكي مش لأني متعلقة بحد معين، أبكي لأني حاسة إني مرفوضة على اشي ما بخصني، على ختم انحط على جبيني غصب عني، أبكي لأني بشوف أمي بتحاول تبين قوية وهي من جواتها مكسورة أكتر مني، بتحكيلي لا تزعلي اللي ما بدو ياكي عشان هيك ما بستاهلك، بس أنا بشوف وجعها لما تسكت بعد المكالمة، بشوفها تلوم حالها وهي ما بتحكي، بحسها بتفكر إنه طلاقها صار عائق بطريقي، وأنا بموت من جوّا لأني بعرف قديش هي ضحت وقديش انظلمت، وبنفس الوقت بوجعني إنه المجتمع ما سامحها ولا سامحني، بحس حالي طول الوقت لازم أثبت إني مش نسخة من قصة أمي، مع إنه قصة أمي أصلاً مش عيب، بس الناس بتتعامل مع المطلقة كأنها عدوى، وكأن بنتها مشروع فشل جاهز، وكأنها أكيد طالعة معقدة أو ناقصة أو ما عندها سند، وأنا عندي سند بس يمكن مش بالشكل اللي هما متعودين عليه، سندي أمي اللي وقفت لما الكل كان بده منها تنهار، سندي تعبي وشخصيتي وسمعتي، بس مين بده يسمع؟ الناس بدها أب واقف بالصورة حتى لو ما عمره سأل عن بنته، بدها شكل عيلة كامل حتى لو من جوّا مكسر، بدها واجهة قدام الناس مش حقيقة، وأنا تعبت من الواجهة، تعبت من إني أتخيل كل مرة حدا يدخل حياتي كيف رح أفتح الموضوع، هل أحكي من البداية ولا أخليهم يعرفوا بعدين؟ إذا حكيت من البداية بخاف يهربوا، وإذا تأخرت بخاف يقولوا ليش مخبية، وكأن الموضوع فضيحة لازم أعترف فيها، مرات بحس إني بدي أصرخ بوجههم: أمي مطلقة مش أنا، وحتى لو أنا كنت مطلقة بالمستقبل مش معناه إني قليلة أو ناقصة، الطلاق مش لعنة، الطلاق أحياناً نجاة، بس اللي حوالينا بحبوا يحاكموا المرأة مرتين، مرة لأنها صبرت ومرة لأنها ما قدرت تكمل، وأنا دفعت الفاتورة بدون ما حدا يسألني إذا معي أدفعها، صار عندي خوف من أي تعارف، خوف من لحظة الحقيقة، خوف من نظرة الأم اللي كانت تحكيلي يا بنتي يا عسل وبعدين تبلع ريقها لما تعرف، خوف من الشاب اللي يكون مقتنع فيني بس يضعف قدام أهله، خوف من كلمة “ما بناسبنا” لأنها بتوجع أكتر لما تكون بسبب ظرف عائلي مش بسبب شخصيتي، أحياناً بحاول أقنع حالي إنو الرفض حماية، وإنو اللي برفضني عشان أمي مطلقة رح يظل طول عمره أسير كلام الناس، بس بيني وبين حالي بتعب، أنا إنسانة وبدي أنحب بدون تحقيق، بدي حدا يشوفني أنا، مش الحالة الاجتماعية لأمي، بدي بيت يدخلوني عليه وأنا مكرمة مش كأني ملف ناقص، بدي لما أحكي عن أمي أحكي بفخر مش بحذر، هي مش عيب بحياتي، هي أقوى جزء فيي، بس الوجع إنو قوتها صارت عند الناس نقطة ضعف ضدي، وأنا ما بدي أكره الزواج ولا أكره الناس ولا أكره المجتمع، بس صرت حذرة بطريقة بتخنق، صرت لما حدا يمدحني أقول في بالي استنى بس يعرف، صرت لما حدا يقرب أتراجع خطوة عشان ما أتوجع لما ينسحب، وصرت أخاف أفرح بأي بداية لأنها يمكن تنتهي بنفس الجملة الباردة: العيلة ما وافقت، يمكن اللي بيوجع مش الرفض نفسه، اللي بيوجع إنك تنرفض قبل ما تنشاف، تنرفض لأنهم حطوك بخانة جاهزة، تنرفض لأن أمك اختارت تعيش بكرامة بدل ما تموت كل يوم بعلاقة مؤذية، تنرفض لأن الناس بتخاف من كلام الناس أكتر ما بتخاف تظلم بنت ما إلها ذنب، وأنا اليوم بحكي هون لأني ما بقدر أحكي برة، برة لازم أضل قوية ومؤدبة وبنت أصول وما أرد على حدا، بس جواتي في بنت مخنوقة بدها تقول: كفاية تحاسبونا على كسور أهلنا، كفاية تقيسوا البنت بظل رجل مش موجود، كفاية تعتبروا المطلقة وصمة وبنتها احتمال خطر، أنا مش بنت مشكلة، أنا بنت أم نجت، وأنا مش ناقصة، بس تعبت من عالم مصرّ يحسسني إني لازم أعتذر عن شي ما لازم أعتذر عنه أبداً.
6 0 0

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.
تعليقك سيظهر لك فورًا، وسيظهر للآخرين بعد المراجعة.