← رجوع للمدونة
مشاعر

الغيرة: المشاعر التي نخجل من الاعتراف بها

نُشر في · 4 دقائق قراءة
الغيرة: المشاعر التي نخجل من الاعتراف بها

مقدمة: شعور نكذب بشأنه

يصل خبر نجاح شخص قريب، فنقول كلاماً جميلاً ونحن نشعر بشيء ثقيل في الداخل. ثم تبدأ جولة ثانية من العذاب: «كيف أشعر هكذا تجاه شخص أحبّه؟»

الغيرة من أكثر المشاعر التي يُنكرها الناس، ليس لأنها نادرة، بل لأن الاعتراف بها يبدو اعترافاً بنقص في الأخلاق. فنكتمها، ثم نحملها وحدنا مضاعفة: الشعور نفسه، والذنب بسببه.

الغيرة ليست قراراً

لا أحد يجلس ويقرر أن يغار. الشعور يأتي قبل التفكير، تماماً كالخوف والفرح. ولذلك فإن محاسبة النفس على مجرد وروده ظلم، لأنها محاسبة على شيء لم نختره.

ما نختاره هو ما نفعله بعد الشعور: هل نتصرّف بناءً عليه فنقلّل من شأن الآخر أو نبتعد عنه؟ أم نلاحظه ونتركه يمرّ؟ الأخلاق تُقاس بالفعل لا بما يخطر في القلب.

ما الذي تخبرنا به؟

الغيرة أقرب إلى مؤشّر منها إلى عيب. نحن لا نغار من كل الناس ولا في كل شيء، بل نغار تحديداً فيما نعتبره مهماً لنا ونشعر بأننا مقصّرون فيه.

من يغار من زواج صديقه غالباً يريد علاقة مستقرة. ومن يغار من ترقية زميله يريد اعترافاً بجهده. وبهذا المعنى تكون الغيرة رسالة صريحة عن رغبة مكتومة، وقد تكون أصدق من كل ما نقوله لأنفسنا عن قناعتنا بوضعنا.

غيرة وحسد: فرق يستحق الانتباه

هناك فرق بين شعورين يُخلط بينهما. الأول: «أتمنى أن يكون لي مثل ما له» — وهذا شعور طبيعي يمكن أن يتحول إلى دافع. والثاني: «أتمنى أن يفقد ما لديه» — وهذا شعور يستهلك صاحبه ولا يعطيه شيئاً.

الأول ينظر إلى الهدف، والثاني ينظر إلى الشخص. والانتباه لهذا الفرق يساعدنا على معرفة أين نقف بالضبط.

المقارنة التي لا تنتهي

لم يعد أحد يقارن نفسه بجيرانه فقط. صرنا نرى يومياً أفضل لحظات آلاف الأشخاص مجمّعة في شاشة واحدة: سفر، نجاح، أفراح، إنجازات.

والمشكلة في طبيعة المقارنة نفسها: نقارن حياتنا كاملة بتفاصيلها ومتاعبها بواجهة مختارة من حياة غيرنا. وهي مقارنة خاسرة بالتأكيد، لأنها بين نسختين غير متكافئتين أصلاً.

لماذا نغار ممن نحبّهم أكثر؟

قد يبدو غريباً أن الغيرة تشتدّ تجاه الأصدقاء والأقارب لا تجاه الغرباء. السبب أن المقارنة تحتاج تشابهاً؛ نحن لا نقارن أنفسنا بمن يعيش حياة بعيدة عنّا تماماً، بل بمن بدأ من نقطة قريبة من نقطتنا.

ولهذا يشعر كثيرون بالغيرة من أقرب الناس إليهم ثم يظنون أنفسهم أشراراً، بينما ما حدث نتيجة طبيعية للقرب لا دليل على سوء النية.

ماذا نفعل بها؟

إنكار الشعور يزيده. والأنفع أن نسمّيه بوضوح في داخلنا: «أنا أشعر بالغيرة الآن». هذه الجملة وحدها تخفّف حدّته، لأنها تنقله من شيء يسيطر علينا إلى شيء نلاحظه.

ثم نسأل السؤال المفيد: ما الذي أريده تحديداً مما رأيته عند غيري؟ والإجابة تحوّل الشعور من ألم غامض إلى هدف واضح يمكن العمل عليه.

حين لا نستطيع قولها لأحد

لا يمكن لأحد أن يقول لصديقه: «فرحت لك لكنني غرت». ولهذا تبقى الغيرة من أكثر المشاعر عزلة، ويظنّ كل واحد أنه الوحيد الذي يشعر بها.

ومساحة الكتابة دون اسم تفيد هنا أكثر من غيرها، لأنها تسمح بقول ما لا يُقال، ولأن قارئها يكتشف بسرعة أن هذا الشعور يمرّ به الجميع تقريباً. ومعرفة أنك لست الوحيد تنزع عن الشعور نصف ثقله.

حين تصبح الغيرة مؤذية

الغيرة العابرة طبيعية. لكنها تستحق وقفة إذا صارت تشغل التفكير يومياً، أو دفعت صاحبها إلى الابتعاد عمّن يحبّهم، أو إلى الفرح بتعثّرهم، أو إلى قرارات متسرّعة لمجرد اللحاق بغيره.

في هذه الحالة لم تعد المشكلة في الشعور، بل في علاقة الإنسان بقيمته الذاتية، وهذه تحتاج عملاً أعمق وربما مساعدة مختصّة.

الغيرة بين الإخوة

من أقدم أشكال هذا الشعور وأكثرها إيلاماً ما ينشأ داخل البيت الواحد: مقارنة في الدراسة، أو تفضيل ظاهر، أو ملاحظة تُقال أمام الجميع.

وأثر هذه المقارنات يمتد سنوات بعد أن ينساها من قالها. ومن يكتشف أنه ما زال يقيس نفسه بأخيه بعد بلوغه الأربعين لا يعاني من الغيرة بقدر ما يعاني من حكم قديم لم يراجعه أحد.

أن نفرح فعلاً لغيرنا

الفرح الصادق لنجاح الآخرين ليس صفة يولد بها الناس، بل نتيجة شعور داخلي بالأمان. من يطمئن إلى قيمته لا يرى نجاح غيره تهديداً، لأنه لا يعامل الحياة كسباق بمقعد واحد.

ولهذا فإن الطريق إلى التخلص من الغيرة لا يمرّ بمحاولة كتمها، بل ببناء علاقة أهدأ مع الذات. ومن رضي عن مساره توقّف عن حساب خطوات الآخرين.

الخاتمة: مشاعرنا ليست تهمة

ليس المطلوب أن نصل إلى قلب لا يغار، فهذا وعد لا يتحقق. المطلوب أن نتوقف عن معاملة كل شعور غير مريح كأنه دليل إدانة.

الغيرة، حين نصغي إليها بدل أن نخجل منها، تدلّنا على ما نريده فعلاً. وأن تعرف ما تريد خير من أن تنكر أنك تريد شيئاً.

  • الغيرة، المقارنة، الحسد، المشاعر، الصحة النفسية، احترام الذات، وسائل التواصل، النجاح، الرضا، المشاعر السلبية، الوعي الذاتي