← رجوع للمدونة
الصحة النفسية

الكتابة كعلاج: ماذا يحدث حين نكتب ما نشعر به؟

نُشر في · 4 دقائق قراءة
الكتابة كعلاج: ماذا يحدث حين نكتب ما نشعر به؟

مقدمة: من الغيمة إلى الجملة

حين نشعر بضيق لا نعرف سببه، يكون الشعور أشبه بغيمة: ثقيل وواسع وبلا حدود واضحة. نحاول تفسيره فلا نصل، ونحاول تجاهله فلا ينصرف.

ثم يحدث شيء بسيط ومدهش حين نجلس ونكتبه: الغيمة تتحول إلى جمل لها بداية ونهاية. وما يمكن وصفه يصبح أقل إخافة مما لا اسم له.

الكتابة ليست موهبة هنا

أول ما يمنع الناس من تجربة الكتابة اعتقادهم أنها تحتاج أسلوباً جميلاً. لكن الكتابة التي نتحدث عنها ليست نصاً يُقرأ، بل عملية يقوم بها العقل مع نفسه.

لا يهم ركاكة الجملة ولا ترتيب الأفكار ولا الأخطاء. المهم أن ينتقل ما في الداخل إلى الخارج بأي صيغة كانت. من يكتب «أنا تعبان وما بعرف ليش» يكون قد فعل ما هو مطلوب تماماً.

ماذا يحدث في العقل؟

الشعور غير المسمّى يبقى في حالة إنذار مستمرة، لأن العقل يتعامل مع الغامض على أنه تهديد محتمل. أما تسمية الشعور فتغيّر طريقة معالجته: يصبح موضوعاً يمكن التفكير فيه بدل حالة تسيطر علينا.

ولهذا يشعر كثيرون بانخفاض ملحوظ في التوتر بعد الكتابة، حتى دون أن يتغير شيء في الواقع. لم تُحلّ المشكلة، لكن العلاقة معها تغيرت.

الكتابة توقف الدوران

الفكرة المزعجة تعود مرات كثيرة في اليوم، وفي كل مرة تبدأ من الأول. جزء من هذا التكرار خوف من النسيان، وجزء منه بحث عن نهاية لم تُكتب بعد.

وحين تُكتب الفكرة كاملة، يجد العقل أنها حُفظت وأُغلقت، فيقلّ إلحاحه. الورقة تتذكّر بدلاً منّا، فيُسمح لنا بالراحة.

الفرق بين التفريغ والاجترار على الورق

ليست كل كتابة مفيدة. من يكتب كل يوم الشكوى نفسها بالكلمات نفسها قد يعمّق الحالة بدل أن يخفّفها.

الكتابة التي تنفع هي التي تتقدّم خطوة: أن نصف ما حدث، ثم ما شعرنا به، ثم ما نظنّه السبب، ثم ما نستطيع فعله ولو كان صغيراً. هذا الترتيب البسيط يحوّل التفريغ إلى فهم.

لماذا يسهل أن نكتب ما لا نقوله؟

في الكلام نراقب وجه من أمامنا، ونعدّل كلامنا حسب ردّ فعله، ونحذف ما نخشى أن يُفهم خطأ. أما في الكتابة فلا وجه ولا مقاطعة ولا حاجة إلى تبرير.

ولهذا يصل كثيرون في الكتابة إلى اعترافات لم يقولوها لأحد، ليس لأنهم قرروا الصدق، بل لأن العائق الذي يمنعه في الحديث غير موجود.

الكتابة أمام قارئ لا يعرفنا

هناك مرحلة أبعد من الكتابة للنفس: أن يُقرأ ما كتبناه دون أن يُعرف من كتبه. وهذه تجمع بين ميزتين نادراً ما تجتمعان: أن يخرج الكلام إلى العالم، وأن يبقى صاحبه في أمان.

وأثرها الأكبر ليس في التفريغ بل في الاكتشاف: أن يجد الإنسان أن غيره مرّ بالشيء نفسه، وأن ما ظنّه عيباً خاصاً به تجربة إنسانية متكررة. هذا الاكتشاف وحده يخفّف أكثر من كثير من النصائح.

كيف نبدأ فعلاً؟

لا حاجة إلى دفتر أنيق ولا وقت طويل. عشر دقائق قبل النوم تكفي. اكتب دون توقف ودون مراجعة، ولا تصحّح شيئاً أثناء الكتابة، فالتصحيح يوقظ الرقيب الداخلي الذي جئنا لنتجاوزه.

ومن لا يعرف من أين يبدأ يمكنه أن يبدأ بسؤال ثابت: «ما الذي يشغلني الآن أكثر من غيره؟» ثم يكتب الإجابة كما تأتي.

ما لا تفعله الكتابة

من الإنصاف القول إن الكتابة ليست بديلاً عن العلاج ولا عن حلّ المشكلات الواقعية. من يعاني ضغوطاً حقيقية لن تحلّها الكلمات، ومن يمرّ بحالة نفسية شديدة يحتاج مساعدة مختصّة.

لكن الكتابة تفعل شيئاً مهماً في كل الأحوال: تجعل الإنسان يعرف ما يشعر به بدقة أكبر. ومن يعرف حالته يستطيع أن يطلب المساعدة المناسبة، بينما من لا يعرف يبقى يدور دون أن يعرف من أين يبدأ.

ماذا نكتب حين لا يوجد ما يُقال؟

يتوقف كثيرون عند أول سطر لأنهم لا يجدون موضوعاً واضحاً. والحل ألا نبحث عن موضوع أصلاً: نكتب أن لا شيء لدينا، ونكتب أننا لا نعرف من أين نبدأ، ونكتب ما نراه أمامنا الآن.

وبعد أسطر قليلة يبدأ شيء بالظهور لم نكن نتوقعه. السبب أن الكتابة نفسها تفتح أبواباً في الذاكرة لا يفتحها التفكير الصامت، لأن اليد تتقدّم بخطى أبطأ من الذهن فتترك مساحة للتفاصيل أن تصعد.

الكتابة عن الأشياء الجميلة أيضاً

يغلب على الظن أن الكتابة العلاجية للأحزان فقط. لكن تدوين ما مرّ بنا من أمور جيدة له أثر لا يقلّ أهمية، لأن الذاكرة تميل إلى الاحتفاظ بالمواقف المؤلمة أكثر من غيرها.

وحين نكتب ثلاثة أشياء بسيطة أفرحتنا في اليوم، فنحن لا نتجاهل الصعب، بل نعيد التوازن إلى صورة صارت أحادية الجانب دون أن ننتبه.

الخاتمة: أن نقرأ أنفسنا

أغرب ما في هذه التجربة أن الإنسان يقرأ ما كتبه بعد أيام فيبدو له كأنه كلام شخص آخر. المسافة الصغيرة التي يصنعها الورق تكفي ليرى حالته من الخارج.

وهذه المسافة هي كل ما نحتاجه أحياناً. لا لنغيّر ما حدث، بل لنتوقف عن كوننا داخل الشعور طوال الوقت، فنراه أخيراً بدل أن نغرق فيه.

  • الكتابة العلاجية، التعبير عن المشاعر، الصحة النفسية، التفريغ النفسي، اليوميات، الكتابة، القلق، الحزن، الوعي الذاتي، تنظيم المشاعر، الفضفضة