← رجوع للمدونة
مشاعر

المشاعر المكبوتة لا تختفي

نُشر في · 7 دقائق قراءة
المشاعر

هناك أشخاص لا يصرخون عندما يغضبون، ولا يبكون عندما ينكسرون، ولا يشتكون عندما يتعبون، ولا يقولون إنهم خائفون حتى عندما يكون الخوف يملأ داخلهم بالكامل. من الخارج يبدون هادئين، متماسكين، وربما أقوى من الجميع. لكن الهدوء الظاهر لا يعني دائماً أن الداخل هادئ أيضاً.

أحياناً يكون الإنسان قد تعلّم منذ سنوات أن أفضل طريقة للتعامل مع مشاعره هي ألا يتعامل معها أصلاً.

يغضب فيسكت.

يتأذى فيبتسم.

ينصدم فيقول: عادي.

يشعر بالغيرة فيلوم نفسه.

يخاف فيتظاهر بالثقة.

ينكسر فيذهب إلى عمله في اليوم التالي وكأن شيئاً لم يحدث.

ومع الوقت يتحول هذا الأسلوب من تصرف مؤقت إلى طريقة حياة كاملة.

المشكلة أن المشاعر لا تختفي لمجرد أننا منعنا أنفسنا من التعبير عنها.

نحن نستطيع منع الكلام، لكننا لا نستطيع دائماً منع الأثر.

كيف يبدأ كبت المشاعر؟

نادراً ما يقرر شخص في يوم واحد أن يصبح كتومًا.

الموضوع غالباً يبدأ بشكل أبسط بكثير.

طفل يبكي فيقال له: "لا تبكي على أشياء تافهة."

يغضب فيسمع: "اسكت، ما إلك حق تزعل."

يخاف فيقال له: "شو هالخوف؟ عيب."

يحاول شرح شعوره فيُقاطع أو يُستهزأ به.

وبمرور الوقت يتعلم درساً غير مكتوب: بعض المشاعر غير مرحب بها.

فيبدأ بفلترتها قبل أن تصل للآخرين.

ثم يكبر.

لكن الفلتر يكبر معه.

يصبح الشخص بالغاً يستطيع إدارة الاجتماعات، حل المشاكل، رعاية أسرته، مساعدة أصدقائه، واتخاذ قرارات صعبة، لكنه عندما يُسأل سؤالاً بسيطاً مثل: "شو حاسس؟" قد لا يعرف ماذا يقول.

ليس لأنه لا يشعر.

بل لأنه قضى سنوات يتدرب على تجاهل الشعور بدلاً من فهمه.

الكبت لا يعني السيطرة

هناك فرق مهم بين التحكم بالمشاعر وبين كبتها.

التحكم يعني أنني أعرف أنني غاضب، لكنني أختار ألا أصرخ.

الكبت يعني أنني أرفض أصلاً الاعتراف بأنني غاضب.

التحكم يعني أنني أشعر بالحزن، لكنني أقرر متى وأين أتكلم عنه.

الكبت يعني أنني أقول لنفسي: "ما في داعي للحزن"، وأحاول التصرف كأن شيئاً لم يحدث.

الأول مهارة.

الثاني قد يتحول مع الوقت إلى عبء.

لأنك عندما تعرف ما تشعر به تستطيع اختيار الطريقة المناسبة للتعامل معه.

أما عندما تنكر الشعور نفسه، فإنه قد يستمر في التأثير عليك من مكان لا تراه.

أحياناً يخرج الغضب على الشخص الخطأ

واحدة من أكثر صور المشاعر المكبوتة شيوعاً أن الإنسان لا يعبر عن غضبه في مكانه الحقيقي.

مدير يضغط عليه طوال اليوم، لكنه لا يستطيع الرد.

فيعود للبيت وينفعل من سؤال بسيط.

شخص غاضب من شريكه لكنه يتجنب المواجهة لأشهر، ثم ينفجر بسبب كوب لم يوضع في مكانه.

إنسان يحمل استياءً قديماً من عائلته، لكنه يقول دائماً إن كل شيء طبيعي، ثم يجد نفسه شديد الحساسية تجاه أي ملاحظة صغيرة منهم.

هنا المشكلة ليست في الكوب ولا في السؤال ولا في الملاحظة الأخيرة.

هذه مجرد النقطة التي خرج منها شيء تراكم قبلها بوقت طويل.

ولهذا بعض ردود أفعالنا تبدو أكبر بكثير من الحدث الحالي.

لأن الحدث الحالي لا يكون وحده في الغرفة.

وراءه أحياناً عشرات المواقف التي لم نتعامل معها.

الحزن المكبوت قد يرتدي وجوهاً مختلفة

ليس كل حزين يبكي.

بعض الناس يصبحون ساخرين.

بعضهم ينام كثيراً.

بعضهم يعمل طوال الوقت حتى لا يبقى وحده مع أفكاره.

بعضهم يصبح عصبي المزاج.

بعضهم يتوقف عن الاهتمام بأشياء كان يحبها.

وبعضهم يصبح اجتماعياً أكثر من المعتاد، كأنه يهرب من أي لحظة هدوء قد تفتح الباب أمام ما يحاول عدم الشعور به.

لهذا فإن الإنسان قد يقول: "أنا مش زعلان"، ويكون صادقاً من وجهة نظره.

هو فعلاً لم يعد يشعر بالحزن بصورته الواضحة.

لكنه ربما يشعر بالفراغ.

باللامبالاة.

بالإرهاق.

بضيق غامض.

وبأن لا شيء يفرحه كما كان.

أحياناً المشاعر التي لم نعطها اسماً لا تختفي، بل تتغير الطريقة التي تظهر بها.

لماذا نخاف من مشاعرنا أصلاً؟

لأن بعض المشاعر تهدد الصورة التي لدينا عن أنفسنا.

الشخص الذي يرى نفسه طيباً قد يرفض الاعتراف بأنه يشعر بالحقد.

الذي يرى نفسه قوياً قد يخجل من خوفه.

الذي يحب شخصاً قد لا يحتمل الاعتراف بأنه غاضب منه.

الذي يعتبر نفسه ممتناً قد يشعر بالذنب إذا اعترف بأنه غير سعيد.

فنبدأ بمحاكمة المشاعر بدلاً من فهمها.

"كيف أغار وأنا بحبه؟"

"كيف أزعل وأنا عندي أشياء غيري يتمنى يملكها؟"

"كيف أكره تصرف أمي وأنا بحبها؟"

"كيف أتعب من أولادي وأنا كنت أتمنى يكون عندي أطفال؟"

لكن الإنسان يستطيع أن يحمل شعورين متعارضين في الوقت نفسه.

يمكن أن تحب شخصاً وتغضب منه.

يمكن أن تكون ممتناً ومرهقاً.

يمكن أن تسامح ولا تنسى.

يمكن أن تشتاق لشخص وتعرف أن عودته لحياتك ستكون خطأ.

هذه التناقضات لا تحتاج دائماً إلى محكمة.

أحياناً تحتاج فقط إلى فهم.

الجسد أيضاً يدخل في القصة

الإنسان ليس عقلاً منفصلاً عن جسده.

عندما يعيش تحت ضغط مستمر، قد يشعر بتوتر عضلي، صداع، اضطراب نوم، خفقان مرتبط بالقلق، انزعاج في المعدة، أو تعب لا يفهم سببه.

هذا لا يعني أن كل عرض جسدي سببه نفسي، وبالطبع لا ينبغي تجاهل الأعراض الطبية أو افتراض أنها "مجرد توتر".

لكن العلاقة بين الحالة النفسية والجسد حقيقية.

عندما يبقى الإنسان في حالة استنفار طويلة، يدفع جسده جزءاً من الثمن أيضاً.

وهذا سبب إضافي يجعل التعامل مع المشاعر أكثر أهمية من مجرد القول: "بسيطة، بتمشي."

المشكلة ليست في أنك تشعر

نحن أحياناً نحاول التخلص من المشاعر لأنها غير مريحة.

لكن المشاعر في الأساس تحمل معلومات.

الغضب قد يخبرك أن حدودك تم تجاوزها.

الخوف قد يخبرك أن هناك شيئاً تعتبره مهدداً.

الغيرة قد تكشف شيئاً تخاف فقدانه أو شيئاً تتمناه.

الحزن قد يشير إلى فقد أو خيبة.

الشعور بالذنب قد يدفعك لإصلاح خطأ.

ليس معنى ذلك أن كل شعور يقول الحقيقة كاملة، ولا أن علينا تنفيذ كل ما تمليه علينا مشاعرنا.

لكن تجاهل الرسالة بالكامل لا يجعلها غير موجودة.

الأفضل أحياناً أن نسأل:

لماذا شعرت بهذا؟

ما الذي حرّك هذا الشعور؟

هل هذا مرتبط بالموقف الحالي فعلاً، أم بشيء أقدم؟

هل أحتاج إلى كلام؟

إلى حدود؟

إلى راحة؟

إلى اعتذار؟

إلى قرار؟

مجرد طرح هذه الأسئلة يحولنا من أشخاص تهجم عليهم مشاعرهم إلى أشخاص يحاولون فهمها.

بعض الناس لا ينفجرون… بل ينطفئون

عندما نتحدث عن الكبت، يتخيل البعض إنساناً سيصرخ فجأة بعد سنوات من الصمت.

لكن ليس هذا ما يحدث دائماً.

أحياناً لا يوجد انفجار.

يوجد انطفاء.

يتوقف الشخص عن الجدال لأنه لم يعد يرى فائدة.

يتوقف عن التعبير عن احتياجاته.

يصبح كل شيء عنده "براحتكم".

لا يغضب، لكنه أيضاً لا يتحمس.

لا يشتكي، لكنه لا يشعر بالقرب.

يبدأ بالابتعاد ببطء دون أن ينتبه الناس.

وهذه الحالة قد تبدو هدوءاً، بينما هي في الحقيقة تعب من محاولة إيصال شيء لم يجد مكاناً آمناً للخروج.

التعبير لا يعني الفضفضة للجميع

لا توجد قاعدة تقول إن الإنسان الصحي يجب أن يخبر الجميع بما يشعر به.

بالعكس، الخصوصية مهمة.

وليس كل شخص يستحق أن يعرف ما بداخلنا.

التعبير قد يكون حديثاً مع إنسان موثوق.

قد يكون كتابة.

قد يكون مواجهة هادئة.

قد يكون اعترافاً لنفسك.

وقد يكون طلب مساعدة عندما تصبح المشاعر أكبر من قدرتك على إدارتها وحدك.

المهم ألا يكون الحل الوحيد لكل شيء هو الدفن.

لأن ما ندفنه لا يموت بالضرورة.

أحياناً يبقى موجوداً تحت السطح، ونقضي سنوات نتجنب الأماكن والأشخاص والمواضيع التي قد تجعله يتحرك.

البداية ليست أن تقول كل شيء

البداية قد تكون أبسط من ذلك بكثير.

أن تتوقف عندما تشعر بشيء وتسميه.

"أنا غاضب."

"أنا محرَج."

"أنا خائف."

"أنا حاسس إني مش مقدَّر."

"أنا زعلان أكثر مما كنت متوقع."

لا تحاول فوراً التخلص من الشعور.

ولا تصدر حكماً عليه.

لاحظ وجوده أولاً.

لأن المشاعر التي نفهمها تصبح أقل غموضاً.

والمشاعر الأقل غموضاً تصبح عادة أسهل في التعامل معها.

قد لا تحتاج أن تبكي.

ولا أن تصرخ.

ولا أن تحكي قصتك كاملة.

أحياناً يكفي أن تتوقف عن قول "ما في إشي" بينما تعرف تماماً أن هناك شيئاً.

المشاعر المكبوتة ليست دليلاً على الضعف، كما أن كبتها ليس دليلاً على القوة.

القوة الحقيقية قد تكون في أن تعرف ماذا يجري داخلك دون أن تخاف من معرفته.

أن تسمح لنفسك بالحزن دون أن تعتبر نفسك هشاً.

أن تعترف بالغضب دون أن تؤذي أحداً.

أن تقول إنك خائف دون أن تتنازل عن شجاعتك.

وأن تفهم أن ما لا نقوله لا يختفي دائماً.

أحياناً يتحول إلى عصبية.

أحياناً إلى برود.

أحياناً إلى إرهاق.

أحياناً إلى مسافة بيننا وبين أقرب الناس.

وأحياناً إلى شعور غريب بأننا لم نعد نعرف أنفسنا كما كنا.

ولهذا ربما لا يكون السؤال: "كيف أتخلص من مشاعري؟"

بل:

كيف أسمح لنفسي أن أشعر بها، أفهمها، وأتركها تمر دون أن أضطر إلى دفنها داخلي كل مرة؟

لأن الإنسان لا يحتاج أن يكون سعيداً طوال الوقت حتى يكون بخير.

لكنه يحتاج، على الأقل، إلى مكان في حياته يستطيع فيه أن يكون صادقاً مع ما يشعر به.

  • المشاعر المكبوتة
  • كبت المشاعر
  • التعبير عن المشاعر
  • الصحة النفسية
  • الضغط النفسي
  • الغضب المكبوت
  • الحزن المكبوت
  • فهم المشاعر
  • الذكاء العاطفي
  • التنفيس النفسي
  • المشاعر السلبية
  • التوتر النفسي
  • الوعي الذاتي
  • التعامل مع المشاعر
  • الراحة النفسية