← رجوع للمدونة
الصحة النفسية

الاحتراق: أن تنطفئ وأنت ما زلت تعمل

نُشر في · 5 دقائق قراءة
الاحتراق: أن تنطفئ وأنت ما زلت تعمل

مقدمة: أن تنطفئ وأنت تعمل

ليس الإرهاق أن تتعب في نهاية يوم طويل؛ هذا طبيعي وينتهي بالنوم. الاحتراق شيء آخر: أن تستيقظ متعباً، وتنهي أسبوع إجازة فتعود كما كنت، وتشعر أن كل مهمة صغيرة تحتاج طاقة لا تملكها.

ويصيب الطلاب كما يصيب الموظفين، ويصيب من يعمل في بيته دون راتب ولا إجازة، وأكثر ما يصيب من كانوا في البداية الأكثر حماساً.

ثلاث علامات واضحة

الأولى إنهاك لا يزول بالراحة: تنام ثماني ساعات وتستيقظ كأنك لم تنم.

الثانية برود تجاه ما كنت تهتم به: المريض صار حالة، والطالب صار رقماً، والمشروع الذي أحببته صار مهمة تُنجز وتُنسى.

الثالثة شك في الجدوى: شعور متكرر بأن ما تفعله بلا أثر، وأنك لا تتقدم مهما بذلت. وحين تجتمع الثلاث فالأمر ليس كسلاً ولا نقص حماس.

لماذا يصيب المجتهدين تحديداً؟

لأن من لا يهتم لا يحترق. الاحتراق يحتاج وقوداً، ووقوده الاهتمام الزائد والمسؤولية التي يحملها الشخص فوق حجمه.

الموظف الذي يرد على الرسائل ليلاً، والطالب الذي يعتبر كل علامة حكماً على مستقبله، والأم التي ترى نفسها مسؤولة عن سعادة الجميع — كلهم في الخط الأول.

ولهذا يشعر المحترق بذنب مضاعف: يتعب ثم يلوم نفسه على تعبه لأنه «مش عامل إشي كتير».

ليس نقص إدارة وقت

تُقدَّم النصائح عادة على شكل جداول وتطبيقات وترتيب أولويات. وهذه تنفع في الازدحام العادي، لا في الاحتراق.

لأن السبب في الغالب هيكلي لا شخصي: كمية عمل أكبر مما يحتمله شخص واحد، أو غموض في المطلوب، أو غياب أي تقدير، أو ظلم في التوزيع.

ومن يعالج مشكلة هيكلية بحلول فردية يزيد الحمل: صار عليه أن ينجز المستحيل وأن يكون منظّماً أثناء ذلك أيضاً.

الحدود التي لا يضعها أحد نيابة عنك

لن يأتي مديرك ليقول لك: توقف عن الرد بعد السادسة. الحدود لا تُمنح، تُوضَع.

وأبسطها عملياً: وقت واضح لانتهاء العمل، وإشعارات مغلقة بعده، ورد صباحي على ما وصل ليلاً. الأيام الأولى تكون غير مريحة، ثم يعتاد المحيط.

ومن يخاف أن يفقد صورته بالاجتهاد، فليعلم أن الاحتراق الكامل سيأخذ منه هذه الصورة كلها لاحقاً وبثمن أكبر.

«لا» التي تحمي

كثير من الحمل الزائد يأتي من مهام قُبلت لأن الرفض كان محرجاً في لحظته.

ولا يحتاج الرفض إلى قسوة: «ما بقدر آخذ هاد الأسبوع، بقدر الأسبوع الجاي» جملة كافية ومهنية. وحين يكون الرفض واضحاً ومبكراً، يحترمه الناس أكثر من موافقة تنتهي بتأخير.

والأهم أن كل «نعم» تُقال بلا قدرة هي «لا» مؤجلة لشيء آخر: نومك، أو عائلتك، أو جودة عملك نفسه.

الطالب المحترق

عند الطلاب يظهر الأمر بشكل خاص قبل الامتحانات: ساعات دراسة طويلة بلا تحصيل، وقراءة الصفحة نفسها خمس مرات، ونوم مقلوب.

والسبب أن الدراسة تحولت إلى سباق مستمر بلا محطات راحة، مع شعور دائم بأن أي استراحة تأخير عن الآخرين.

والحل المعروف بسيط ويصعب تطبيقه: فترات قصيرة مركّزة مع استراحات حقيقية بعيداً عن الشاشة، ونوم منتظم — فالذاكرة تُثبَّت أثناء النوم لا أثناء السهر.

العمل غير المرئي

هناك من يحترق دون أن يعترف أحد بأنه يعمل أصلاً: من يرعى مريضاً في البيت، أو يدير بيتاً وأطفالاً، أو يحمل مسؤولية عائلة كاملة.

وغياب الاعتراف يضاعف التعب، لأن الجهد بلا اسم لا يجد راحة مشروعة ولا شكراً ولا إجازة.

وأول خطوة هنا أن يُسمّى هذا العمل عملاً، ثم أن يُقسَّم ولو جزئياً، لأن المهام التي «تحدث وحدها» في نظر البقية تُنجزها في الواقع يد واحدة متعبة.

الراحة التي لا تريح

كثيرون يقضون إجازتهم في التصفح والمسلسلات ثم يعودون منهكين، فيظنون أن الراحة لا تنفعهم.

والسبب أن هذا النوع من الوقت يشغل الانتباه دون أن يجدد الطاقة. الراحة التي تعيد الشحن غالباً أبسط: مشي، ونوم، ولقاء إنسان، وعمل بيدين بلا شاشة.

والمقياس عملي: هل خرجت من هذه الساعة أخف أم أثقل؟ الإجابة الصادقة تكشف الكثير عن عاداتنا في الراحة.

حين يكون الحل هو الخروج

أحياناً لا يكون العلاج تنظيماً ولا حدوداً، بل قراراً بترك مكان يستهلك أكثر مما يعطي.

وهذا قرار ثقيل وله ظروفه المادية، ولا يملك أحد أن يوصي به من الخارج. لكن من المهم أن يبقى مطروحاً على الطاولة بدل أن يُلغى من التفكير تماماً.

ومن لا يستطيع الخروج الآن يمكنه على الأقل أن يتوقف عن إعطاء المكان أكثر مما يستحق، وأن يبني له باباً في المستقبل.

الجسد يقول أولاً

قبل أن ينهار الإنسان نفسياً يرسل جسده إشارات: صداع متكرر، وشد في الرقبة، ومشاكل هضم، وتكرار في الإصابة بالعدوى، ونوم متقطع.

ومعظمنا يتعامل مع هذه الإشارات بمسكّن وكوب قهوة إضافي، أي بإسكات الإنذار ومواصلة القيادة.

والانتباه المبكر لها أرخص بكثير من انتظار اللحظة التي يتوقف فيها كل شيء دفعة واحدة.

ما الذي يستطيع المسؤول فعله؟

كثير من حالات الاحتراق تُعالَج على مستوى الفريق لا الفرد. مدير ينتبه إلى توزيع غير عادل، أو يوضح الأولويات بدل أن يجعل كل شيء عاجلاً، يوفّر على فريقه شهوراً من الاستنزاف.

وأرخص أداة وأكثرها إهمالاً هي الاعتراف: جملة محددة عن عمل أُنجز جيداً تفعل ما لا تفعله الحوافز العامة.

أما فرق العمل التي يُستبدل فيها الناس كل سنة، فهي في الغالب لا تعاني من ضعف الأشخاص بل من نظام يحرقهم بالترتيب.

الخاتمة: أن نعيد تعريف الاجتهاد

تعلّمنا أن قيمة الإنسان في إنتاجه، فصار التعب دليل جدارة، والراحة تهمة تحتاج تبريراً.

لكن أحداً لا يعطي أفضل ما عنده وهو منطفئ. الاجتهاد الحقيقي أن تحافظ على قدرتك على العمل سنوات طويلة، لا أن تحرق كل ما لديك في سنتين ثم لا تجد شيئاً تعطيه.

  • الاحتراق الوظيفي، الإرهاق، ضغط العمل، الدراسة، الحدود، الراحة، الطلاب، الصحة النفسية