← رجوع للمدونة
مشاعر

الاشتياق: لماذا نحنّ إلى من لم يعد لنا؟

نُشر في · 5 دقائق قراءة
الاشتياق: لماذا نحنّ إلى من لم يعد لنا؟

مقدمة: أن تشتاق لمن لا يمكن أن يعود

الاشتياق شعور غريب: لا هو حزن كامل ولا هو حب مريح. هو انتظار داخلي لشخص تعرف تماماً أنه لن يأتي.

وأقسى أنواعه ليس الاشتياق لمن مات، بل لمن ما زال حياً ويمشي على الأرض نفسها، ومع ذلك صار بعيداً كأن بيننا وبينه قارة.

لماذا يشتد بعد أشهر لا قبلها؟

في الأسابيع الأولى بعد الفراق يكون الإنسان في حالة نجاة: غاضباً أو مصدوماً أو مشغولاً بترتيب حياته. المشاعر تحت السطح لأن الطاقة كلها موجهة إلى الاستمرار.

ثم تستقر الأمور، فيظهر الاشتياق في وقت لا يفهمه أحد. يسأله الناس: «لسّا؟ صار له سنة». وهم لا يعرفون أن الشوق لا يمشي على تقويم.

الذاكرة كاتب متحيّز

العقل لا يحفظ الماضي كما حدث، بل يعيد تحريره. ومع الوقت يميل إلى الاحتفاظ باللحظات الجميلة وترتيبها في مقدمة الأرشيف.

ولهذا يشتاق كثيرون لعلاقة كانوا يبكون فيها كل أسبوع. لا لأنهم كاذبون، بل لأن الذاكرة قدّمت لهم نسخة منقّحة، حذفت منها الانتظار والإهانة والليالي الطويلة.

من يشتاق فليسأل نفسه: هل أشتاق إلى هذا الشخص، أم إلى أفضل عشرة أيام معه؟

الاشتياق لنفسك القديمة

أحياناً لا يكون الشوق للشخص أصلاً، بل لمن كنته أنت في تلك الفترة: أخف، أكثر ضحكاً، أقل حذراً.

الشخص كان مرتبطاً بمرحلة كاملة: أصدقاء، ومدينة، وعمر، وأحلام لم تكن قد اصطدمت بشيء بعد. وحين نفقده نفقد معه المرحلة كلها، فنظن أن الحنين له وحده.

ما الذي يبقيه حياً كل هذه المدة؟

ثلاثة أشياء غالباً: النهاية الغامضة، والأمل المتبقي، والتذكير اليومي.

النهاية الغامضة أسوأها؛ فالعلاقة التي انتهت بلا تفسير تترك العقل يبحث عن إجابة إلى الأبد. أما التي انتهت بوضوح، ولو بقسوة، فتغلق ملفها أسرع.

والتذكير اليومي هو ما نصنعه بأيدينا: متابعة حساباته، وقراءة المحادثات القديمة، وسماع الأغاني نفسها. كل مرة نفعل ذلك نعيد فتح الجرح ثم نتساءل لماذا لا يلتئم.

«صديقان» بعد النهاية

يُقترح غالباً أن يبقى الطرفان صديقين، وهو اقتراح جميل الشكل صعب التنفيذ في وقت مبكر.

الصداقة بعد علاقة قريبة تحتاج أن يكون الشعور قد هدأ فعلاً عند الاثنين. أما البقاء في التواصل مع شوق حي، فهو استمرار للعلاقة بشكل ناقص، يمنع كلاً منهما من المضي.

ما يفعله التواصل المتقطع

رسالة كل شهرين، إعجاب بمنشور، سؤال مفاجئ عن الأحوال. تبدو أموراً بسيطة، وأثرها كبير.

كل تواصل صغير يعيد ضبط العدّاد من الصفر، ويجدد الأمل، ويؤجل التعافي. ومن يريد أن يشفى فعلاً يحتاج فترة انقطاع كاملة، لا كعقاب للطرف الآخر، بل كعلاج لنفسه.

الشوق الذي لا يجد أذناً

بعد فترة يتوقف الأصدقاء عن السؤال، ويصير الكلام في الموضوع محرجاً. فيبتلع الإنسان شوقه ويكمل يومه.

لكن المشاعر المكتومة لا تهدأ، بل تتحول إلى انشغال داخلي دائم. ولهذا يجد كثيرون راحة في الكتابة: أن يقولوا كل ما لم يُقل، في مكان لا يعرفهم فيه أحد ولا يحاسبهم على تكرار الموضوع.

رسالة لا تُرسل

من أنفع التمارين أن تكتب رسالة كاملة إلى ذلك الشخص: ما الذي تريد قوله، وما الذي جرحك، وما الذي ما زلت ممتناً له.

ثم لا ترسلها. الغرض ليس أن تصله، بل أن تخرج منك. كثيرون يقولون إن هذه الرسالة فعلت ما لم تفعله شهور من التفكير الصامت.

كيف نعرف أننا نتحسن؟

لا تكون العلامة أن تتوقف عن التفكير فيه، فهذا يحدث متأخراً وربما لا يحدث تماماً.

العلامة الأولى أن تمر الفكرة ولا تجرّ خلفها يوماً كاملاً. تتذكره أثناء العمل ثم تكمل. المسافة بين الذكرى وبين الانهيار هي المقياس الحقيقي للتحسن.

حين يعود فعلاً

أحياناً يعود الشخص بعد سنة أو سنتين، فيكتشف من انتظره أن الشوق كان لصورة لا لإنسان. يجلسان ساعة فيشعر بغربة لم يتوقعها.

وهذا ليس خذلاناً، بل دليل على أنك تغيّرت. الشوق يخاطب الماضي، واللقاء يحدث في الحاضر، والاثنان نادراً ما يتطابقان.

الشوق في العلاقات التي لم تكتمل

أصعب أنواع الشوق ما يتعلق بعلاقة لم تصر علاقة أصلاً: شخص أحببناه ولم نخبره، أو أخبرناه فجاء الرد بلا وضوح.

هنا لا يوجد ما يُحزَن عليه بشكل ملموس؛ لا ذكريات كثيرة ولا نهاية معلنة، بل احتمال بقي مفتوحاً. والاحتمال المفتوح أقوى من الواقع، لأنه لم يُختبَر ولم تظهر عيوبه.

ولهذا يبقى بعض الناس عالقين سنوات مع شخص لم يجلسوا معه ساعة كاملة. ما يوجعهم ليس ما كان، بل ما تخيّلوا أنه كان ممكناً.

هل التعلّق حب؟

يخلط كثيرون بين الشوق والحب، والفارق يظهر في سؤال واحد: هل أريد الخير لهذا الشخص حتى لو كان بعيداً عني؟

إن كان الجواب نعم فهذا حب مهما آلم. وإن كان ما يؤلمك حقاً هو أنه بخير بدونك، فما تعيشه أقرب إلى جرح في الكرامة منه إلى شوق، وعلاجه مختلف تماماً.

ماذا عن الطرف الذي ترك؟

يُظن أن من أنهى العلاقة لا يشتاق، وهذا غير صحيح في الغالب. هو يشتاق أيضاً، لكنه يُمنع من قول ذلك لأنه صاحب القرار.

ولذلك يعيش نوعاً خاصاً من الوحدة: ألم بلا حق في الشكوى، وذنب يرافق كل ذكرى جميلة. ومن يمر بهذا يحتاج أيضاً إلى مكان يقول فيه ما عنده، لا أن يعاقب نفسه بالصمت لأنه «هو الذي أراد».

والاعتراف بأن القرار كان صحيحاً وموجعاً في الوقت نفسه ليس تناقضاً؛ أغلب القرارات المهمة في الحياة كذلك.

الخاتمة: أن نشتاق دون أن نتوقف

لا يُطفأ الاشتياق بالقرار، ولا يُشفى بالإنكار، ولا يليق به أن يُستعجل.

ما يمكن فعله هو ألا نغذّيه كل يوم بأيدينا، وأن نمنحه مكاناً صغيراً في الحياة بدل أن يكون هو الحياة. وستأتي لحظة تكتشف فيها أن الاسم مرّ في رأسك بهدوء ولم يعد يوجع، وأنك لم تلاحظ متى حدث ذلك بالضبط.

  • الاشتياق، الفراق، الحب، الذكريات، التعلّق، الحنين، العلاقات، النسيان