أنا من سنين ما زرت أبوي بالسجن رغم إن أمي وإخواني يروحون له باستمرار، وكل ما قرب موعد زيارة يجيني ضغط منهم وكلام عن إنه مهما سوى يظل أبوك، المشكلة إن الجريمة اللي دخل بسببها مو بسيطة بالنسبة لي، وما قدرت أفصل بين الرجل اللي رباني وبين الشي اللي سواه،
يوم انكشف الموضوع كنت أول واحد يدافع عنه وأقول مستحيل، بعدين طلعت الأدلة واضحة واعترف بجزء كبير، وكل العائلة غيرت كلامها من مستحيل إلى الإنسان يخطئ، وأنا ما قدرت أتنقل معهم بهالسهولة، مو لأنني ملاك ولا لأنني ما أخطئ، بس بعض الأخطاء تغيّر نظرتك للشخص بالكامل،
أمي تقول هو دفع ثمنه والدولة عاقبته وش تبي أكثر، وأنا ما أبي أكثر، ما أبي أنتقم منه ولا أبي يزيد حكمه، بس ببساطة ما أبي أجلس قدامه وأتكلم كأن بيننا مشكلة عائلية عادية، أول زيارة بعد الحكم رحت، شفته خلف الحاجز وكسرني شكله، سلم عليّ وبكى وقال لا تتركني،
رجعت البيت وأنا مريض أيام، وبعدها ما رجعت، الناس تتوقع إني ما أزوره لأني أكرهه، الحقيقة أصعب، أنا أخاف أزوره وأرجع أحبه مثل قبل، أخاف الحنية القديمة تخليني أصغر اللي سواه براسي حتى أقدر أعيش مع الصورة، وأخاف العكس، أشوفه وأحس بالقرف وأخليه يقرأها بوجهي وهو أصلًا محكوم ومحبوس،
لهذا اخترت الغياب، ويمكن الغياب نفسه عقاب ما إلي حق أفرضه، بس أنا للحين ما لقيت طريقة أحب فيها أبي بدون ما أحس إني قاعد أبرر له، أمي ترسل لي صوته أحيانًا وهو يسأل عني وأنا ما أسمع التسجيل للنهاية، مو قسوة، جبن يمكن، لأن صوته يرجعني طفل قبل ما أعرف كل شي،
وأنا اليوم عايش بين شخصين بنفس الوجه، أب كان سندي، ورجل سوى شي أنا أرفضه من جذوره، وكل اللي حولي يبغون مني أختار واحد منهم حتى يرتاحون، وأنا ما قدرت.
التعليقات