أنا شب عمري 20 سنة، والمفروض إني هسا بأحلى أيام شبابي، أيام الأحلام والطموحات والذكريات الحلوة. بس الحقيقة إني من عمر 17 سنة لليوم، حاسس إني عشت عمر كامل من الخسارات. أنا بطبيعتي مش من الناس اللي بتدخل أي حدا على حياتها. دائرتي صغيرة جدًا، بس الشخص اللي بسمحله يقرب مني، بصير جزء من قلبي ويومي وتفاصيلي.
وعشان هيك، أنا مش بخاف أخسر كل الناس، أنا بخاف أخسر القليل اللي بحبهم من قلبي. كل إشي بلش وأنا عمري 17 سنة، لما خسرت شخص كان أقرب إلي من أي حدا بالدنيا. تربينا وكبرنا مع بعض، عشنا طفولتنا سوا، وكنا حتى ننام بنفس الغرفة. كان صاحبي وأخوي ورفيق عمري.
شفته بين الحياة والموت قدام عيوني، وكنت مستني خبر إنه قام ورجع، بس بدل ما أسمع خبر نجاته، وصلني خبر وفاته. بهديك اللحظة انكسر إشي جواي لليوم ما تصلّح. وما لحقت أستوعب وجعي، إلا وبنفس السنة خسرت شخص ثاني غالي على قلبي، وتوفى هو كمان قدام عيوني.
سنة وحدة أخدت مني شخصين من أغلى الناس، وأنا لسا عمري 17 سنة. دخلت بحالة اكتئاب وتعبت نفسيًا، وأهلي صاروا يلاحظوا تغيّري ويسألوني إذا أنا بخير. وكنت أضحك وأحكيلهم إني تمام، مع إني من جوا كنت منهار. كنت محتاج حدا يطمني، بس كنت مشغول إني أطمن الكل عليّ.
وبنفس السنة رسبت بامتحاناتي، وضاع تعب سنة كاملة. حسيت إنه الحياة مش بس أخدت مني ناس بحبهم، حتى أحلامي بلشت تضيع. ومع هيك، الحمد لله أنا قريب من ربنا، بصلي وبدعي وبؤمن بقضائه وقدره. بعرف إنه الموت حق، وإنه كلنا راجعين لربنا. بس الإيمان ما بعني إنه الإنسان ما بحزن، والصبر ما بعني إنه القلب ما بيوجع.
أنا راضي بقضاء ربنا، بس مشتاق لناس أخدهم الموت مني. وبعد كل هالخسارات، دخل بحياتي وجع من نوع ثاني، وجع الحب والذنب. كان بحياتي بنتين، حبيتهم وتعلقت فيهم، واستمرت علاقتي فيهم حوالي ثلاث سنين. بعرف إنه اللي عملته غلط، وما عندي أي مبرر يلغي غلطي.
بس أنا ما كنت بتسلى بمشاعرهم، كنت فعلًا بحبهم التنين. بعد ما خسرت ناس بالموت، صار عندي خوف كبير من الفقد. ولما تعلقت فيهم، ما قدرت أترك وحدة وأكمل مع الثانية. كنت خايف أخسر أي وحدة، وما انتبهت إني وأنا بحاول أحافظ عليهم، كنت ممكن أكون السبب بوجعهم التنين.
وقبل حوالي ثلاث شهور افترقنا، وخسرتهم مع بعض. بس وجعي الأكبر مش إني خسرتهم، وجعي إني خايف أكون كسرت قلوبهم. بفكر إذا هم بخير، وإذا تجاوزوا اللي صار، وإذا في ليالي بكوا فيها بسببي. وبسأل حالي: شو ذنبهم يتحملوا نتيجة خوفي من الفقد؟ هم ما إلهم ذنب بالخسارات اللي عشتها، ولا كان لازم يدفعوا ثمنها.
أنا بعترف بغلطي وبستغفر ربنا عليه، وبتمنى من قلبي إنه يعوضهم بكل خير. وحتى لو رجعت وحدة منهم، بعرف إني غالبًا ما رح أقدر أرجع. مش كبرياء ولا لأني بطلت أحب، بس لأني بخاف أرجع لقلب كنت سبب بوجعه، وأفتح جرح يمكن بلش يطيب. وأصعب شعور إنك تشتاق لحدا وتتمنى رجعته، بس بنفس الوقت تمنع حالك ترجع لأنك ما بدك توجعه مرة ثانية.
وبعد فراقنا بحوالي شهرين، إجت الغربة. سافرت وبعدت عن بلدي وأهلي وإخواني وكل الأماكن اللي كنت أحس فيها بالأمان. واكتشفت إنه الغربة مش بس إنك تكون ببلد ثاني، الغربة إنك تتعب وتحتاج حضن أمك وما تلاقيه، وتشتاق لصوت أبوك وضحكة إخوانك ولمة البيت.
تحكي مع أهلك عالتلفون، تضحك وتطمنهم إنك مبسوط، وبمجرد ما تسكر المكالمة ترجع لغرفتك، وللسكوت، ولنفس الوجع. تخيلوا تكون مشتاق لناس ماتوا، وناس افترقت عنهم، وناس لسا عايشين بس بينك وبينهم بلاد. وكل هالشوق بقلب شب عمره 20 سنة. أنا من الناس اللي بتكتم كل إشي.
اللي بشوفني بضحك وبمزح بفكر إنه ما في إشي بزعلني، بس ما حدا بعرف شو بصير لما أكون لحالي. في ليالي بتجتمع عليّ كل الذكريات، وبكون نفسي أبكي وأطلع اللي بقلبي، بس مش قادر. كأني تعودت أكتم لدرجة إني حتى قدام حالي ما بعرف أضعف. كنت طول عمري مفكر حالي قوي، وإنه ما في إشي بكسرني.
بس اليوم صرت أسأل حالي: أنا فعلًا قوي، ولا بس تعودت أخبي وجعي لدرجة إني صدقت إني بخير؟ أحيانًا بعد الصلاة بضل ساكت، وفي قلبي كلام كثير مش عارف كيف أحكيه. وبعرف إنه ربنا عالم بحالي، وإنه أرحم فيي من أي حدا. وأنا ما فقدت الأمل برحمته، ويمكن هاد أكثر إشي مخليني أكمل.
من عمر 17 لعمر 20، خسرت شخصين بالموت، وعشت اكتئاب، ورسبت بدراستي، وخسرت ناس حبيتهم، وصرت شايل ذنب إني يمكن وجعتهم، وبعدين تغربت وبعدت عن أهلي وبلدي. ثلاث سنين غيّروني من شخص كان مفكر حاله ما بينكسر، لشخص صار يخاف يتعلق بأي حدا جديد. واليوم بسأل حالي: كيف بدي أبني حياتي الجديدة وأنا لسا بحاول ألمّ بقايا حياتي القديمة؟
كيف بدي أسامح حالي على أخطائي؟ وكيف بدي أتعلم أحب بدون ما يتحكم فيي خوفي من الخسارة؟ أنا مش خايف من الحياة، أنا خايف من خسارة جديدة، لأني لسا ما تعافيت من الخسارات القديمة. بتمنى ييجي يوم أتذكر فيه اللي فقدتهم وأبتسم بدل ما أبكي، وأعرف إنه البنتين بخير، وأرجع أقعد بين أهلي وإخواني بدون هالشوق.
وبالنهاية، الحمد لله على كل حال. الله يرحم اللي فقدتهم، ويجبر قلب كل إنسان وجعته، ويحفظلي أهلي وأحبابي، ويغفرلي أخطائي، ويعينني على غربتي. ويا رب، مثل ما شفت من الوجع وأنا ببداية شبابي، تكتبلي من الجبر والراحة ما يعوض قلبي عن ثقل هالسنين. أنا عمري 20 سنة، ولسا بتعلم كيف أعيش مع غياب ناس، وذنب تجاه ناس، وشوق لناس.
ويمكن أصعب شعور بالدنيا إنك تكون مشتاق للماضي، وخايف من المستقبل، ومش عارف كيف
التعليقات