تقاعدت من الجيش وعمري اثنين وأربعين، وصارلي سنتين ما بعرف شو أعمل بحالي، وهاد شي ما حدا يحكيه لأنّ شكله قلّة شكر.

خمسة وعشرين سنة خدمة. طلعت برتبة محترمة، وبراتب تقاعدي كويس، وكل الناس قالت لي «يا بختك».

ويا بختي فعلاً. أنا بعرف. راتبي بيجي أول الشهر وما عندي دين، وبيتي ملكي خلّصت قرضه، وولادي اثنين بالجامعة والصغير بالمدرسة. أي زلمة بعمري وبظروف البلد بيتمنى مكاني. فأنا من أول يوم عارف إنّ أي شكوى منّي رح تطلع كفر بالنعمة، وعشان هيك ما شكيت لحدا من سنتين — ولا لمرتي بالشكل اللي رح أكتبه هون.

بس خلّيني أوصف اليوم عندي، لأنه بالوصف بتفهم.

بصحى الساعة أربعة وأربعين دقيقة الصبح. من غير منبّه. خمسة وعشرين سنة وهاد وقت الصحيان، والجسم ما بيعرف إنّ الشغل خلص. جرّبت أنام أكثر وما بنفع — بفتح عيوني وبضلّ مفتوح.

وبعدها ما في شي.

بصلّي الفجر. بروح على الفرن أجيب خبز، وأنا أصلاً مش محتاج خبز كل يوم بس بروح. بشرب شاي بالبلكونة. بقرأ بالتلفون نفس الأخبار ثلاث مرّات.

الساعة سبعة بكون خلصت كل اللي ممكن أعمله بالنهار.

وبضلّ عندي أربعتعشر ساعة.

مرّة قعدت بالسيارة قدّام البيت ساعة وعشرين دقيقة بدون ما أشغّلها. ما كنت زعلان ولا متضايق ولا بفكر بإشي. كنت بس مش قادر ألاقي سبب أنزل عشانه ولا سبب أطلع عشانه.

والشي اللي بوجع أكثر من الفراغ — وهاد اللي بدي أوصله لحدا يفهمه:

أنا كنت واحد الناس بتسأله.

خمسة وعشرين سنة وفي ناس تحت إمرتي ينتظروا كلمتي. في قرارات ما بتمشي إلا لمّا أقول أنا. في تلفون يرنّ الساعة اثنتين بالليل لأنه في حدا محتاج جوابي.

اليوم ما في إنسان بالدنيا بينتظر منّي قرار. ولا واحد. حتى بالبيت — مرتي مرتّبة كل شي من خمسة وعشرين سنة وهي بتشيل البيت لحالها، وأنا لمّا بتدخّل بصير بعرقل.

وقالت لي كلمة بالصيف وهي ما قصدت: «انت صرت ضيف بالبيت.»

وهي صح. وهي ما عرفت قديش جرحتني، وأنا ضحكت وقلت «ضيف محترم».

جرّبت أشياء. سجّلت بنادي وبطّلت بعد شهر. فكرت أفتح مشروع — بقالة أو ورشة — وخفت أخسر مصاري التقاعد لأني بعرف كم واحد خسرها. واحد صاحبي عرض عليّ أشتغل معه بشركة حراسات وقلت له لأ، وأنا لليوم ما بعرف ليش قلت لأ. يمكن لأنه بعد خمسة وعشرين سنة بزيّ، صعب ألبس زيّ تاني أقلّ منه، وهاد كبر وأنا بعرف إنه كبر وما قادر أطلع منه.

عندي كمان ثلاثين سنة إن شاء الله. ثلاثين سنة، أربعتعشر ساعة بالنهار.

في حدا هون تقاعد وهو شاب؟ عسكري ولا مدني ما بفرق. شو عملتوا بالوقت فعلياً — لا نصايح عامة عن الهوايات. وبلا مجاملة: في حدا ضلّ تايه سنتين تلاتة ولليوم ما لقى؟ بدي أعرف إنه مش أنا بس، وبدي أعرف شو كان أول شي نافع عملتوه.

مشاهدات4 تعليقات0 تفاعلات0
ردّ بمنشور

حسّيت إنه بحكي عنك؟

قصتك كمان إلها محل هون. بدون اسم، بدون بريد، بدون أي إشي يدلّ عليك.

اكتب قصتك

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.
تعليقك سيظهر مباشرة.