عندي بقالة بالحارة ودفتر الدين فيه الآن ألف وتسعمية دينار موزّعين على واحد وأربعين اسم، وبدي أحكي شو بيصير بين الصفحات.
الدفتر ورق. دفتر مجلّد أصفر من اللي بيبيعوه عند المكتبة بدينار. وأنا بسجّل فيه من ستّعشر سنة، وعندي خمسة دفاتر قبله بالخزنة ما بقدر أرميهم ولا بعرف ليش بحتفظ فيهم.
خلّيني أحكي عن نوعين من الناس بالدفتر.
النوع الأول وأكثرهم: يدفعوا. بيجوا أول الشهر، بعد الراتب، وبيمسحوا الصفحة وبيعتذروا وأنا بقول «ولا يهمّك» وبمزح معهم. هدول مش القصّة، هدول شغل عادي وثقة متبادلة وهاي حلاوة المهنة.
النوع الثاني: ناس ما بقدروا. وأنا بعرف إنهم ما بقدروا. وهم بيعرفوا إني بعرف. وبنعمل الاثنين كأنه في شي رح يصير بالمستقبل.
في مرا، أم أربعة، زوجها توفّى سنة ٢٠٢٢ وكان يشتغل عمار. عليها ميتين وستّين دينار. بتجي كل أسبوع تاخذ خبز وحليب وزيت وبتقول «سجّل يا أبو محمد». وأنا بسجّل. وعارف إنّ هاد الرقم ما رح ينزل بحياتي، بالعكس، رح يطلع.
ومرّة بلّشت أعدّ بالراس: لو مسحت صفحتها، معناها إني قلت لها بصوت عالي «أنا بعرف إنك ما بتقدري». وهاد أقسى عليها من الدين نفسه. فأنا بضلّ أسجّل عشانها تضلّ شايفة حالها زبونة لا حالة.
يعني الدفتر مش دين. الدفتر كرامة واحد وأربعين إنسان، وأنا اللي بمسكها.
والشي اللي ما حدا بيفكر فيه: أنا كمان مش غني.
البقالة بتطلّع عيشة، بس بتطلّعها بالعدّ. وهالألف وتسعمية مش ربح ضايع — هدول بضاعة دفعت ثمنها من جيبي للمورّد نقداً. يعني أنا عملياً مموّل حارة كاملة من مصاري بيتي. وحسبتها مرّة: هاد المبلغ هو أجار محلّي أربعة أشهر.
ومرتي بتعرف الرقم وما بتحكي فيه. مرّة وحدة بس، قبل سنتين، قالت: «بنتك بدها تعليم.»
وولدي الكبير عمره أربعة وعشرين وبيشتغل معي، وقال لي الشتا اللي فات وهو يرتّب الرفوف: «يابا هاد الدفتر رح يقفل المحلّ.»
وهو صح. وأنا قلت له «ربّك كريم» وهاي ما كانت إجابة.
وأبوي كان عنده نفس المحلّ ونفس الدفتر. ومات سنة ٢٠٠٩ وترك دفتر فيه تقريباً تسعمية دينار، وأنا مسحته كله يوم العزا بدون ما أقول لحدا — حرقت الصفحات. وكنت وقتها شايف إني بعمل شي عظيم.
وهلّق فهمت إنّ أبوي ما كان كريم زيادة. أبوي كان عايش نفس الورطة بالظبط، وما قدر يحلّها، فرماها عليّ بالموت.
وأنا شايف نفسي بنفس الطريق مع ولدي.
بدي سؤال عملي من حدا عنده محلّ وحلّها فعلاً: مش كيف أحصّل المصاري — بعرف إني ما رح أحصّل منها شي. كيف أوقّف الدفتر من اليوم ورايح، بدون ما أذلّ واحد وأربعين إنسان أنا شايفهم كل يوم وبيسلّموا على ولادي بالشارع؟ في حدا جرّب يحدّد سقف للواحد؟ في حدا حوّلها على «نصّ الحساب كاش»؟ بدي شي مجرّب مش فكرة.
التعليقات