أخوي بالسعودية من اثنتعشر سنة وبيبعت مصاري، وأنا بصرفها على غير اللي بيحكيه، وهاد أثقل شي بحياتي.
هو أكبر منّي بثلاث سنين. سافر سنة ٢٠١٣ وعمره تسعة وعشرين، وأنا ضلّيت مع أمي وأبوي بالبيت.
بيبعت كل شهر بدون انقطاع. المبلغ تغيّر على السنين، وهالفترة بيبعت ثلاثمية دينار. وبيقول لي بالتلفون بالضبط، كل شهر، نفس الكلام: «هاي لأمي. مية للدوا ومية للبيت، والمية الباقية خلّيها ليها بالخزنة.»
ويقول «خلّيها ليها» — يعني هو حاسب إنّ أمي بتكبر وبدها احتياط.
وأنا أربع سنين ما حطّيت ولا دينار بالخزنة.
خلّيني أحكي وين بتروح، لأنه لو حكيت بالعموم رح أطلع أحسن من اللي أنا عليه.
أبوي توفّى سنة ٢٠٢١ وترك علينا دين. مش مبلغ كبير — ألفين ومية دينار، مصاريف مستشفى وآخر شهرين دوا. وكان لازم يُدفع. وأنا ما خبّرت أخوي لأنه كان وقتها مغيّر كفيل وتعبان ومعلّق، وقلت لحالي ما بدي أحمّله. ودفعته من اللي بيبعته، على أربعتعشر شهر.
وبعدها دخلت بنتي الجامعة، وقسطها بالسنة ألف وتسعمية.
وبعدها انكسرت سخّانة الشمس بالشتا وكان لازم تتغيّر وقتها.
وبعدها... وبعدها صار الموضوع عادة. وهاي أخطر كلمة بكل القصّة: عادة. أول مرّة قعدت وحسبت وتردّدت وما نمت. المرّة الخمسين سحبت وما فكّرت.
كل مرّة كنت أقول لحالي إنها مرّة وحدة وبرجّعها الشهر الجاي. وما رجّعت ولا مرّة بأربع سنين.
أمي ما بتعرف. أمي عمرها ثلاثة وسبعين. بتسأل كل شهر «هالشهر بعت يابا؟» وأنا بقول «بعت يمّا، ربّي يحفظه» وبعطيها دواها وحاجة البيت، وهي مرتاحة ومطمنّة وبتدعي له كل ليلة. وهي بتظنّ إنّ بالخزنة صار عندها شي.
ومرّة قبل سنة قالت لي: «إذا صار فيّ شي، اللي بالخزنة للعزا، ما بدي حدا يتكلّف.»
وما قدرت أردّ. قلت «بعّد الشرّ» وطلعت من الغرفة.
وأخوي كل سنة بالصيف بيجي أسبوعين. وهو ما بيفتح الخزنة ولا بيسأل عن ورقة — هو بيسأل أمي: «مرتاحة يمّا؟» وأمي بتقول: «ابنك شايل كل شي، الله يرضى عليه.»
وهاي أسوأ جملة بتنقال بهاد البيت. مدح عليّ، وهي عملياً شهادة زور تقولها أمي بدون ما تعرف، وأنا قاعد أسمعها وأنا راسي مطأطأ والكل شايفه حياء.
والسنة الجاية بدّه يرجع نهائي. حكى بالصيف إنه تعب، وإنّ ظهره تعبان، وإنه بدّه يفتح شي هون بالمصاري اللي «جمّعها». هو حاسب إنه جمّع تقريباً أربعتعشر ألف على السنين — المية الشهرية ضرب اثنتعشر سنة تقريباً.
في الخزنة صفر.
وأنا عندي سنة.
وفكرت بكل الحلول. فكرت أستلف من بنك وأحطّها بالخزنة قبل ما يرجع — وهاد بيحوّلني من واحد صرف لواحد يكذب بترتيب. فكرت أقول له إنّ أمي صرفتها على علاجها — وهاد أوسخ شي ممكن أعمله بالدنيا. فكرت أسكت وأستنّى ما يفتح الموضوع.
ما بدي حدا يقول لي إني سرقت أخوي، بعرف. وما بدي حدا يقول إني كنت مضطرّ — هاد صحيح ومش عذر، لأنه الاضطرار كان أول سنة، وبعدها صار اختيار.
بدي أعرف من حدا جرّب شي قريب: كيف أقول لأخوي اللي شغل اثنتعشر سنة بالغربة إنّ فلوسه ما ظلّ منها شي؟ أحكي بالتلفون قبل ما يرجع، ولا أستنّى ينزل وأقعد معه وجه بوجه؟ وهل أقول لأمي ولا أخلّيها تموت وهي مطمنّة؟
التعليقات