تعلّمت لغة الإشارة وعمري خمسة وأربعين سنة، وبدي أحكي هاد لأنه لمّا كنت بحاجته ما لقيت حدا كتبه.

ابني عمره عشر سنين. أصمّ من الولادة.

عرفنا وهو عمره سنة وشهرين. وأنا — بدي أكون صادق لأنه بدون الصدق هاد الكلام ما ينفع حدا — أنا تسع سنين عملت كل شي إلا الشي الصحيح.

عملت إيش؟

دفعت. سمّاعات بمبلغ ما بدي أذكره، وجلسات تخاطب أسبوعية، ودكاترة بعمّان، وفحوصات، ومرّة سافرنا لتركيا لرأي ثاني. وكنت أقول لحالي إني أب مسؤول وأب ما قصّر.

ومرتي تعلّمت الإشارة وهو عمره سنتين. سجّلت بدورة ومشيت فيها لحد ما صارت تحكي معه زي ما بحكي أنا معك.

وأنا لأ.

تسع سنين كنت أحكي مع ابني عن طريق أمه. «قول له». «اسأليه». «شو بدّه». «خبّريه إني زعلان». وهو يبصّ عليّ وبعدين يبصّ عليها، وينتظر الترجمة، ويردّ عليها هي.

كل الحياة بيني وبين ابني مرقت من حدا ثالث. تسع سنين.

وكان عندي أعذار، وكلها صحيحة — وهاي المصيبة: الشغل بالورشة من سبعة لسبعة. التعب. إنّ عمري كبير على تعلّم لغة جديدة. إني أصلاً ما كنت شاطر بالمدرسة وبنسى بسرعة. وكل سنة أقول السنة الجاية لمّا يهدا الشغل.

اللي صار:

قبل سنة وتلاتة أشهر كان في عرس بالعيلة. وابني قاعد لحاله على طرف صفّ الكراسي وبيلعب بالتلفون، وهاد مكانه بكل عرس وكل عزا من عمره أربع سنين.

وإجى ولد قريبنا، عمره ثمان سنين، وقعد جانبه، وبلّش يحكي معه بالإشارة.

ولد عمره ثمان سنين. تعلّمها لحاله من اليوتيوب، عشان يقدر يحكي مع ابن عمّه بالأعراس.

وابني ضحك. ضحكة ما شفتها منه كثير — ضحكة إنسان بيحكي مع حدا مش ضحكة إنسان مبسوط.

وأنا كنت واقف على بعد خمسة أمتار، لابس بدلة، أبوه.

ورجعنا البيت بذاك الليل وحكيت لمرتي وأنا واقف بالممرّ إني بدي أتعلّم. وقالت كلمة وحدة: «أخيراً.» ودخلت.

سجّلت بدورة بجمعية. ثلاث مرّات بالأسبوع، الساعة سبعة بعد الشغل، ومعي بالصفّ ناس أعمارهم من عشرين لستّين — فيهم أمهات وفيهم معلّمات وفيهم شب بدّه يشتغل مترجم.

وكنت الأسوأ بالصفّ أول شهرين. إيدي ثقيلة من الورشة، ونسياني بشع، وحسّيت حالي أبله مية مرّة. ومرّة طلعت من الحصّة بالنص وقعدت بالسيارة.

صار سنة وتلاتة أشهر. ولسّا مش متمكّن — بغلط كثير وبنسى كلمات وبرتّب الجملة غلط، وابني بيصلّحلي ويضحك عليّ.

بس هو صار يصلّحلي. يعني صار يحكي معي.

وبالصيف صار شي ما بعرف أوصفه: جاء على المطبخ وأنا لحالي عم بغسل كاسات، وقعد على الكرسي، وحكى لي بالإشارة عن مشكلة مع صاحبه بالمدرسة. ما نادى أمه. أربع دقايق، أنا وهو، وأنا فهمت تقريباً كل شي وسألته سؤالين.

تسع سنين خسرتهم. ما بقدر أرجّعهم، ومش رح أكذب وأقول إنّ المحبّة بتعوّض — ما بتعوّض. تسع سنين من عمر ابني راحوا وهو كان يبصّ عليّ وينتظر الترجمة.

بس إذا في أب هون عنده ولد زيّه، وبيقول لحاله إنه كبير على هاد أو إنه مشغول:

أنا تعلّمتها وعمري خمسة وأربعين، وأنا أبلد واحد كان بالصفّ. وولد عمره ثمان سنين تعلّمها من التلفون بدون معلّم. فالعذر اللي بإيدك أنا جرّبته تسع سنين، وهو مش عذر، وهو أغلى شي ممكن تدفعه بحياتك.

ابدأ بالأبجدية. بتاخذ أسبوع. وولدك رح يشوفك وأنت بتتعلّم، وهاد لحاله رسالة.

مشاهدات3 تعليقات0 تفاعلات0
ردّ بمنشور

حسّيت إنه بحكي عنك؟

قصتك كمان إلها محل هون. بدون اسم، بدون بريد، بدون أي إشي يدلّ عليك.

اكتب قصتك

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.
تعليقك سيظهر مباشرة.