عملت عمرة لأمي بفلوس مستلفة، وهي لليوم تفكّر إني كنت موفّر، وصارلي ثلاث سنين بدفع.

أمي عمرها ثلاثة وسبعين. ومن أنا وصغير بسمعها تقول «يا رب قبل ما أموت». ما كانت تقولها لي، كانت تقولها للسجّادة، بآخر الصلاة، بصوت واطي. وأنا كنت أسمعها من الغرفة الثانية وأنا عمري عشر سنين، وبعدين عمري عشرين، وبعدين عمري خمسة وثلاثين.

وسنة ٢٠٢٢ صار إشي: خالتي، أختها الصغيرة، راحت مع ابنها. ورجعت. وقعدت تحكي لأمي شهر كامل عن كل تفصيلة. وأمي كانت تسمع وتقول «ماشاء الله، ماشاء الله»، وبعدين تسكت نص ساعة. وأنا شفت السكوت هاد ثلاث مرّات بأسبوعين.

وبعد شهر، قعدت أحسب. الحملة للاثنين — أنا وهي، لإنها ما تقدر تروح لحالها — كانت ألف وسبعمية. وأنا راتبي ستّ ميّة وعشرين. وعندي إيجار مية وتسعين، وثلاث ولاد.

وما كان عندي. ولا عندي شي أبيعه. وما حدا بالعيلة بيقدر.

فعملت إشي. استلفت ألف وسبعمية من شخص بالسوق، على ورقة، بزيادة ما بدي أكتبها لإني بعرف إنها حرام والله بعرف، وأنا قعدت شهرين أقنع حالي إنها مش حرام لإنه الهدف حسن، وأنا هلأ بعد ثلاث سنين مش قادر أقنع حالي بأي إشي.

ورحنا. وأمي بالطيّارة أخذت إيدي وقالت لي جملة ما بقدر أنساها: «الله يفتح عليك يا ابني زي ما فتحت عليّي.» وأنا قلت «آمين».

والعمرة كانت أحلى عشرة أيام بحياتها. والله. أنا شفتها هناك وهي إنسانة ثانية. وقفت عند الكعبة ساعة ونصّ ما حكت. وأنا كنت واقف ورا منها وأنا أبكي، والناس حولي كلهم عمّالين يبكوا، فما حدا انتبه. وما حدا بالدنيا يعرف إني كنت أبكي على شي ثاني مش اللي يفكّروه.

ورجعنا. وبلّش الدفع.

ثلاث سنين وأنا بدفع. خمسين، سبعين، تسعين بالشهر حسب الشهر. ومرّتين تأخّرت والرجل اتصل وقال كلام ما بدي أكرّره. والدين لليوم ما خلص — ضلّ منه حوالي أربع ميّة، لإنه الزيادة أكلت.

والثمن الحقيقي ما كان الفلوس. الثمن كان إني من ثلاث سنين ما جبت لولادي إشي. ابني الكبير عمره ثلاثتعشر، وأصحابه كلهم عندهم موبايلات، وهو عنده موبايل أخته القديم اللي بيشحن بالساعة مرّتين. وقبل شهرين، لمّا طلبه مرّة أخيرة وأنا قلت له «مش هلأ»، قال لي: «يابا إحنا ليش دايماً مش هلأ؟»

وأنا ما قدرت أقول له. ما قدرت أقول لولد عمره ثلاثتعشر: «لإني أخذت ستّك عمرة ودفعت فيها زيادة ولسا بدفع.» ما قدرت. لإنه إذا قلت له، إمّا يزعل من ستّه، أو يزعل منّي، وأنا ما بدي ولا وحدة.

وأمي — أمي سألتني مرّة واحدة بعد ما رجعنا: «يا ابني، جبت الفلوس من وين؟» وأنا قلت «كنت موفّر يا يمّا من زمان». وهي قالت «الله يبارك فيك». وسكتت. وأنا بعرف إنها ما صدّقت تماماً، لإنها أمّي وبتعرف راتبي. بس هي كمان اختارت تسكت. وهاد الاتفاق بيننا ما تحكينا فيه ولا مرّة.

وأنا مش نادم. بدي أكون واضح. لو رجع الزمن بعملها. أمي عمرها ثلاثة وسبعين وعندها ضغط وسكّر، ولو انتظرت ما أعرف إذا كان بيصير وقت ثاني.

بس بدي أحكي إشي ما بينحكى: إنه في عبادات بتصير بثمن، والثمن بيدفعه ناس ثانيين، وما بيصير حديث. ابني دفع. وهو ما بيعرف إنه دفع. وأنا بعرف. وهاد كل اللي عندي.

مشاهدات2 تعليقات0 تفاعلات0
ردّ بمنشور

حسّيت إنه بحكي عنك؟

قصتك كمان إلها محل هون. بدون اسم، بدون بريد، بدون أي إشي يدلّ عليك.

اكتب قصتك

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.
تعليقك سيظهر مباشرة.