بنتي عمرها ثلاثتعشر وأنا وهي بنتفاهم أفضل بالإنجليزي، وهاد قرار أنا اللي أخذته وأنا الوحيد اللي بيوجعه.

خليني أحكي الأرقام أوّلاً.

بنتي بمدرسة خاصّة بنظام أجنبي. القسط ستّة آلاف وتسعميّة دينار بالسنة. أنا وأمها نشترك فيه: هي بتشتغل بالبنك وأنا موظف بقطاع خاصّ. وهاد القسط هو أكبر بند بمصروفنا، أكبر من قسط البيت.

دخّلتها سنة ٢٠١٧، لمّا كان عمرها خمس سنين. وكان عندي سبب واضح: أنا تعلّمت بمدرسة حكومية ودرست بالجامعة الأردنية وتخرّجت، وأول مقابلة شغل بحياتي، سنة ٢٠٠٥، سألوني سؤالاً بالإنجليزي وأنا تلخبطت. وما أخذت الوظيفة. وأخذها واحد من مدرسة خاصّة وأنا بعرفه لليوم.

فأنا قرّرت إنه بنتي ما تمرّ بهاد.

ونجحت. هاد الشي الأول اللي لازم أقوله: الخطّة نجحت تماماً. بنتي بتكتب إنجليزي أحسن من كتير ناس بشهادات. وبتقرأ روايات. وبتناقش. وبآخر امتحان دولي أخذت علامة ما كنت أتصوّرها.

وهون المشكلة اللي ما توقّعتها.

بنتي ما بتعرف تكتب عربي منيح. بتقرأ، بفهم، بتحكي بلهجتنا طبيعي تماماً مع ستّها ومع الناس. بس الفصحى، والإملاء، والتعبير — ضعيفة. علامتها بالعربي أقل علامة عندها.

وهاد معروف وما بدّهش حدا. اللي بدّهش هو الشي الثاني:

إحنا إذا بدنا نتحدّث بموضوع صعب، بنتحوّل للإنجليزي. مش بقرار. بيصير لحاله.

يعني: إذا سألتها كيف المدرسة، نحكي عربي. إذا بدي أقول لها إشي عن حالي، أو هي بدها تحكي لي إشي بيضايقها، الجملة الأولى بتجي عربي وبالثانية بنكون بالإنجليزي.

ولاحظت هاد الشي سنة ٢٠٢٣. وبعدين صرت أراقب. وصرت أعدّ.

الأمثلة اللي بتوجع:

لمّا ستّها — أمي — تعبت السنة الماضية ودخلت المستشفى، بنتي بكت وقالت لي جملة بالإنجليزي، جملة طويلة، فيها كلمة ما بعرف معناها بالضبط لحد اليوم وما سألتها عنها لأني ما بدي أقطع عليها.

ولمّا بدي أنصحها — نصيحة أب، من هاي اللي أبوي كان يقولها لي بالمجلس — بلاقي حالي بترجم. بترجم جمل أبوي. وجمل أبوي بالعربي فيها وزن، وبالإنجليزي بتطلع كلام مستشار.

وأبوي، لو كان حيّ، كان رح يحكي معها بالعربي وهي رح تفهمه. هي بتفهم. بس اللي ما رح يصير إنها تردّ عليه بنفس اللغة بنفس العمق.

يعني أنا دفعت ستّة آلاف وتسعميّة بالسنة عشان أعطيها الشي اللي خسرته أنا بمقابلة سنة ٢٠٠٥، والثمن طلع إنه اللغة اللي فيها أنا كامل مش اللغة اللي فيها هي كاملة.

وأنا مش نادم. بدي أكون واضح. لأنه بنتي الآن عندها باب أنا ما كان عندي، وأنا شفت بعيني شو بيعمل هاد الباب.

بس في جملة قالتها لي الشهر الماضي وأنا ما قدرت أنام بعدها.

كنا بالسيّارة وسألتني عن جدّي — أبو أبوي، اللي توفّى سنة ١٩٩٩ — وأنا بلّشت أحكي، وحكيت قصّة عنه بالعربي، قصّة فيها كلمات من زمانه، كلمات ما بتُترجم.

ولمّا خلصت، هي سكتت وبعدين قالت: "Can you say that again in English?"

وأنا قلت لها «لأ». قلتها بسرعة وبقسوة شوي، وبعدين اعتذرت.

وبدي أقول لها السبب يوماً ما: إني لو قلتها بالإنجليزي، ما بكون حكيت عن جدّها. بكون لخّصته.

وبدي أسأل اللي عندهم ولاد بمدارس أجنبية: عملتوا إشي نفع؟ سمعت عن ناس جابوا معلّم عربي بالبيت وسمعت عن ناس خلّوا ولادهم يقروا. أنا بدي شي واقعي لولد عمره ثلاثتعشر وما بدّه. ومش بدي أسمع إنه «العربية هويّتنا» — هاي بعرفها، وبعرف كمان إني أنا اللي وقّعت على القسط.

مشاهدات3 تعليقات0 تفاعلات0
ردّ بمنشور

حسّيت إنه بحكي عنك؟

قصتك كمان إلها محل هون. بدون اسم، بدون بريد، بدون أي إشي يدلّ عليك.

اكتب قصتك

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.
تعليقك سيظهر مباشرة.