أبوي أصابته جلطة، وبعد ستّ ساعات صرنا واقفين بممرّ ثلاثتنا نقرّر عن أنبوب تغذية، والقرار أخذناه بإحدى عشرة دقيقة.

بكتب هاد لأنه ما حدا يحكي عن الدقائق الحادي عشر هاي، وأنا من سنتين وأربعة أشهر بعيدها بعقلي كل يوم تقريباً.

التفاصيل عشان الناس تفهم الوضع:

أبوي عمره كان ثمانية وسبعين. جلطة دماغية بالجانب الأيسر، صار بالبيت الساعة سبعة الصبح، أمي لقيته. وصلنا المستشفى الساعة ثمانية وربع — مستشفى حكومي، لأنه التأمين تأمينه العسكري.

أربعة أيام بالعناية. بعدها استقرّ، بس فقد القدرة على البلع. اسمها عندهم «عسر بلع شديد». يعني لو بلّعناه ماء، الماء بيروح للرئة، وبتصير التهاب رئة، وبيموت منها لا من الجلطة.

والحلّ: أنبوب. إمّا من الأنف — مؤقّت — أو منظار يفتح فتحة بالمعدة، وهاد دائم تقريباً.

والدكتور إجا الساعة واحدة وعشرين دقيقة بعد الظهر — بعرف الساعة لأني كنت واقف تحت ساعة بالممرّ — وحكى معنا. وأنا، أخوي، وأختي.

شو قال، بالتفصيل، لأنه الرجل كان نزيهاً وأنا ما بدي أظلمه: قال إنه بدون تغذية، أبوي رح يتعب بأسبوع إلى عشرة أيام. وبالأنبوب، ممكن يعيش شهور أو سنين، بس حالته العصبية مش رح ترجع، وهو مش رح يتكلّم، وممكن يفهم وممكن لا، وما في طريقة نعرف.

وبعدين قال جملة: «القرار قراركم، وأنا بحاجة جواب اليوم.»

وطلع.

وصرنا إحنا الثلاثة بالممرّ. والممرّ ضيّق، وفيه كرسيين مشغولين، وفيه عائلة ثانية قاعدة على الأرض، وفيه صوت تلفزيون من غرفة.

إحدى عشرة دقيقة. وبعدين دخلنا وقلنا للممرضة: نعم، حطّوا الأنبوب.

وبدي أكتب شو صار بالإحدى عشرة دقيقة، لأنه هاد اللي ما بنقدر نحكيه إحنا الثلاثة لحد اليوم.

أختي بكت وقالت «ما بنقدر نتركه يموت من الجوع». وهاي الجملة هي اللي حسمت. وهي مش جملة طبّية، وأنا بعرف اليوم إنه الكلام الطبّي عن آخر الحياة مختلف تماماً عن «يموت من الجوع»، بس إحنا ما كنا نعرف، ووقتها هاي كانت الحقيقة الوحيدة اللي بنفهمها.

أخوي قال: «شو كان بدّه هو؟» وما كان عندنا جواب. أبوي ولا مرّة حكى عن هاد الشي. ولا مرّة بحياته. ما في وصيّة ولا ورقة ولا جلسة. وهاد مش عيب فيه — ما في حدا بمجتمعنا يقعد يحكي عن هاد.

وأنا، أنا شو قلت؟ أنا قلت جملة بعد اليوم بعرف إنها أهمّ جملة قلتها: قلت «يلّا، عشان أمي».

عشان أمي. يعني أنا قرّرت على جسد أبوي عشان أمي ما تنكسر.

ودخلنا ووقّعنا.

شو صار بعدين: أبوي عاش سنة وسبعة أشهر. بالبيت، مع ممرضة بتجي ثلاث مرّات بالأسبوع، وأمي بتقعد عنده. وبهاي السنة والسبعة أشهر، صار مرّتين التهاب رئة — ضدّ كل اللي كنا نفكّره — وقعد ثلاث مرّات بالمستشفى.

وأمي، اللي قرّرنا عشانها، تعبت. نحفت أربعتعشر كيلو وصار ضغطها خربان. وبيوم من أيام تشرين الماضي، وأنا قاعد معها، قالت لي جملة بصوت واطي: «يا ابني، إحنا عملنا صح؟»

وأنا قلت «أيوه يمّا».

وكنت بكذب. أنا مش عارف. والله مش عارف. وبعرف إنه ما في حدا بالدنيا بيعرف.

اللي بدي أقوله لأي حدا رح يقف بهاد الممرّ: اسأل الدكتور سؤالين، إحنا ما سألناهم. الأول: شو بيصير إذا ما حطّينا الأنبوب — بالتفصيل، مش بكلمة. لأنه في شي اسمه رعاية مريحة، وما حدا ذكرها لنا، وأنا عرفت باسمها بعد سنة من على الإنترنت. والثاني: إذا حطّينا، منقدر نوقف بعدين؟

الجواب معقّد وأنا لحد اليوم مش فاهمه، بس بدّك تعرفه قبل.

وقول لأهلك شو بدّك. اليوم. قبل ما يصير ولادك ثلاثة بممرّ عنده إحدى عشرة دقيقة.

مشاهدات3 تعليقات0 تفاعلات0
ردّ بمنشور

حسّيت إنه بحكي عنك؟

قصتك كمان إلها محل هون. بدون اسم، بدون بريد، بدون أي إشي يدلّ عليك.

اكتب قصتك

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.
تعليقك سيظهر مباشرة.