جدّتي ماتت وأنا كنت مؤجّل زيارتها من أحدَ عشر أسبوعاً، وأنا عدّيت الأسابيع بعدين، واحداً واحداً، بالواتساب.
جدّتي أمّ أمي. عمرها كان ثمانية وثمانين. ساكنة بإربد، وأنا ساكن بعمّان. المسافة ساعة وعشر دقائق بالسيّارة.
ساعة وعشر دقائق. بدي أكتب هاد الرقم مرّتين لأنه كل الموضوع.
توفّت بشهر أيار. وآخر مرّة شفتها كانت بأول شباط، بعزا.
بعد الدفن، ورجعنا للبيت بعمّان، وأنا فتحت الواتساب وقعدت أقرأ. ومحادثتي مع خالتي — اللي كانت ساكنة مع جدّتي — فيها كل شي.
أحدَ عشر أسبوعاً. وأنا كتبت فيها:
«إن شاء الله هاي الجمعة.» ثلاث مرّات.
«والله مشغول بالشغل، بعد ما يهدا.» مرّتين.
«بنتي عندها امتحانات.» مرّة، وكان صح.
«بوصل الأسبوع الجاي أكيد.» أربع مرّات.
ومرّة وحدة — وهاي أقسى وحدة — «قبّليها عنّي.»
«قبّليها عنّي.» كتبتها بشهر نيسان، تسعة عشر يوماً قبل ما تموت.
وخالتي ردّت على كلّها بنفس الشي تقريباً: «الله يسهّل، هي بتسأل عنك.»
«هي بتسأل عنك.» سبع مرّات بأحدَ عشر أسبوعاً.
وأنا قريت المحادثة مرّتين ليلة الدفن، وبعدين ما فتحتها لسنة. وفتحتها هاي السنة بالذكرى، وقريتها كاملة، وعدّيت.
هلأ بدي أكتب الشي الحقيقي، لأنه لو كتبت بس هاد بكون جايب لحالي صك براءة.
أنا ما كنت مشغولاً. هاي الكذبة. أنا كنت أروح لمولات وأقعد مع أصحابي وأطلع رحلات. بشهر نيسان — نفس الشهر اللي كتبت فيه «قبّليها عنّي» — رحت أنا وعيلتي يومين على البحر الميت.
يومين على البحر الميت. والبحر الميت أبعد من إربد.
ليش ما رحت؟ وهاد السؤال اللي قعدت معه سنة ونصّ، وبدي أقول الجواب لأنه ممكن ينفع حدا:
لأنه الزيارة ما كانت لذيذة. جدّتي بآخر سنتين صارت ما تعرف الناس بالضبط. تناديني باسم خالي. وتسأل نفس السؤال كل أربع دقائق. والقعدة ساعتين مع ست ما تعرفك هي ساعتان صعبة، وأنا كنت بطلع منها تعبان ومكسور.
فأنا ما كنت بأجّل زيارةً. كنت بأجّل إحساساً.
وهاد الشي ما قدرت أقوله لحدا من يومها، لأنه إذا قلته صرت إنساناً سيّئاً بوضوح. والناس بتقول لك «لا لا، هاد طبيعي»، وأنا ما بدي أسمع إنه طبيعي.
واللي ضاع فعلياً، وأنا حسبته: أحدَ عشر أسبوعاً فيها أحدَ عشر يوم جمعة. كل جمعة كانت ساعة وعشر دقائق ذهاب وساعتان قعدة. يعني بأربع ساعات ونصّ بالجمعة، كان ممكن أروح أحدَ عشر مرّة بسعر خمسين ساعة من عمري.
خمسين ساعة. أنا بتفرّج على التلفون أكثر من هاد بشهر.
وخالتي — اللي كانت تكتب لي «بتسأل عنك» — هي ما عتبت عليّي ولا مرّة. ولا مرّة بعد الوفاة. ولمّا قلت لها بالعزا «خالتي أنا ما لحقت»، قالت لي: «ما حدا لحق يا خالتي.»
وهاي الجملة كانت رحمة منها، وأنا بعرف إنها مش صحيحة: هي لحقت. هي كانت موجودة كل يوم.
وبدي أقول شي واحد لأي حدا عنده جدّ أو جدّة بسنة أخيرة: ما تأجّل عشان القعدة صعبة. القعدة رح تضلّ صعبة. والصعوبة هي الزيارة، مش عقبة قبلها.
التعليقات