أنا رح فَضّي قلبي متل ما هوّ، بلا تصنُّع وبلا رتوش. من يوم ما فتحت عيوني على هالدني ووجّي مرقّط بأبيض البهاق، وأنا حسّيت حالي متل لوحة معلّقة عالحايط والكلّ بيقعد يتفرّج ويحكي ويقهقه. بالمدرسة، كانوا الولاد يمرقوا حدّي ويقلولي "بويا"، "خاروف ملوّن"، ويقشروا عليّ كأنّي دمية مكسورة.
أستاذ الرياضيات مرّة مسكني من إيدي قدّام الصف وقال بصوت عالي: "ما تخافوا، هيدي البقع مش مُعْدِية!" وضحكوا كلّن، وأنا حسّيت الأرض عم تشقّ وتبلعني.
كبرت، بس الجرح كبر معي. وجي صار أنضج، والبهاق تمادى وصار يطلع على رقبتي وإيديّي. واليوم، لما بفتح تمي لِحكي كلمة، بيطلع الحرف معلّق، بيتوقف بالنصّ، وبرجع بيتدحرج بين سناني. التعلثم متل لصّ صغير ينهب مني كرامتي. بشتغل بالمبيعات، ولازم أحكي كتير.
كل ما يرنّ التليفون، قلبي يدقّ متل طبل، وبصير شمّ الهوا وأقول لحالي: "يا رب تمرق هالمكالمة بلا ما أعلق على أوّل حرف." أوقات ببسّ السماعة عالأرض وبتهرّب، بطلع حجّة إنه الشبكة مقطوعة أو إنه عندي اجتماع.
الليل عندي فيلم رعب طويل. بصير أتذكّر كلماتهم، ضحكاتهم، وأعيد شريط المدرسة بالمقلوب. لمّا بسكّر عيوني بشوف شلتهم راكضة ورائي، وأنا إيدي بعرقوا وبحاول خبِّي وجّي بطرف البلوزة. بعدني لهلّق ما بحبّ المراية. ما عاد قادر شوف الرفائع البيضا المنتشرة متل جزر صغيرة ببحر بشرتي.
في حادثة محفورة بقلبي وما بتروح ولو بعد مية سنة. كان يوم حفلة المدرسة آخر سنة ثانوي، عطوني دور قصير بالمسرحية—دور "الشبح" اللي بيطلع دقيقتين وبروح، فكّروا إنه الدور بيلبقلي لأن بشرتي بيضا وزيادة. قبل ما أطلع عالخشبة، وقفت بالكواليس ورجلي عم يرجفوا.
سمعت واحد من الكواليس يهمس للتاني: "خلصنا، هيدا الشبح جاهز من دون ميك أب." نزلت دمعة صغيرة من عيني بس مسحتها بسرعة وضحكت كأن شي ما صار. طلع دوري، وكان لازم قول جملة وحدة: "أنا ظلّ ماضيكم!" طلعت الكلمة من حنجرتي متكسّرة: "أ... أ... أن... أنااا..." وضاع باقي الحروف.
الضحك انفجر بين الجمهور، الأساتذة حاولوا يهشّوا الأصوات، وأنا صرت واقف متل صنم، حسّيت كل العيون عم تلسع جسمي. أخدت نفس طويل وصرخت الجملة بالقوّة اللي بقيت بصدري ورميت المايك ونزلت. رجعت عالبيت بهداك اليوم، سكّرت عالباب وبكيت من الصدر مش من العين، بكيت متل ولد محروم من حضن أمّو.
من بعد هالموقف، قرّرت خبّي صوتي متل ما خبّيت وجّي بالسّنين. صارت كلماتي قليلة، حتّى ضحكتي صارت همس. بس ما قدرت اهرب من جوّا راسي. بليل، بتفركش بأفكاري، بقول لحالي: "ليش خلقت هيك؟" أمشي عالطريق وبحس كل نَفَس مارق عم يمرق عالحيط وراي ويكتب: "مختلف".
رُحت عند دكتور نفسي بعد ما ضغط علي أختي. قال لي: "إنت عم تحمل جرحين، واحد عالجلد وواحد بالقلب، ولازم تضمد الاتنين." عطاني جلسات علاج نطق، قال ممكن التلعثم يخفّ. أنا عم جرّب، بس جوّا في وحش بيجرّني لورا كل ما حاول اتقدّم. بشتغل عحالي، برسم بوقت فراغي، يمكن بالفرشاة بلقي حرّيتي.
برسم وجوه بلا ملامح، نقاط بيضا وسودا بتتحدّث عن صمت بداخلي.
الغريب إنو، مع الوقت، صار في ناس تشوف جمالي المختلف. بنت بالجامعة قالتلي مرّة: "بقعك عاملين خريطة سما عا خدّك." ضحكت وما عرفت ردّ، حسّيت قلبي دقّ بنغمة جديدة. بس علقْت بالحظة: لو عرفِت إنّي بتلعثم، رح تكمّل تشوف السما ولا رح تنزل تغطّيها بالغيوم؟ هالسؤال ببقى ساكت عليه.
اليوم، يمكن شكلي بعده نفس الشكل، ويمكن لساني بعده بيتعقّد، بس أنا عم حاول صالح حالي عحالي. قصتي ما فيها نهاية سعيدة بعد، ويمكن ما بيوصلها تصفيق. بس من جواي، في ولد صغير بعده بيشدّ على إيدي وبيقول: "خلّيك واقف، ما تهرب." والولد الصغير هيدا صار بطلي الوحيد، لأنّه، برغم كل التنمّر، كَبِر وما انكسر، وبعده عم يتعلّم يحبّ ظلّو قبل ما يحبّ نور غيرو.
التعليقات